حذرت دراسة تحليلية واستشرافية حديثة من تصاعد الضغوط التي تواجه الموارد المائية في سوريا خلال العقد المقبل، في ظل تداخل تغير المناخ والجفاف واستنزاف المياه الجوفية وتضرر البنية التحتية وضعف كفاءة الري، وما يرتبط بذلك من تداعيات محتملة على الأمن الغذائي والزراعة والهجرة والاستقرار الاجتماعي.
الدراسة، التي أعدها الدكتور المهندس الزراعي والباحث في البيئة والزراعة العضوية إبراهيم مسلم، وحملت عنوان «الإفلاس المائي في سوريا: من ندرة المياه إلى تهديد الأمن المائي والغذائي»، تقدم قراءة تحليلية للواقع الراهن، وتستشرف ثلاثة سيناريوهات محتملة للفترة بين عامي 2026 و2036.
وتطرح الدراسة مفهوم «الإفلاس المائي» بوصفه إطاراً تحليلياً مقترحاً من الباحث، وليس مصطلحاً معيارياً معتمداً دولياً، للإشارة إلى مرحلة يصبح فيها العجز المائي هيكلياً ومتراكماً، مع استنزاف ما تصفه الدراسة بـ«رأس المال المائي الطبيعي»، ولا سيما المياه الجوفية.
الجفاف يضغط على الغذاء
وتستند الدراسة إلى بيانات وتقارير دولية، من بينها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، والبنك الدولي، واليونيسف، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، إلى جانب دراسات أكاديمية متخصصة.
وبحسب البيانات التي تستعرضها، قُدّر إنتاج الحبوب في سوريا عام 2025 بنحو 1.2 مليون طن، أي أكثر من 60% دون المتوسط، بعد موسم شهد انخفاضاً في الأمطار بأكثر من 50% عن المتوسط طويل الأجل، فيما قُدرت احتياجات استيراد القمح لموسم 2025/2026 بنحو 3 ملايين طن.
وترى الدراسة أن هذه المؤشرات تكشف مدى الترابط بين المياه والزراعة والأمن الغذائي، إذ يمكن أن تنتقل آثار الجفاف سريعاً من تراجع الموارد المائية إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع الاعتماد على الاستيراد.
المياه الجوفية.. استهلاك «احتياطي المستقبل»
وتولي الدراسة اهتماماً خاصاً بالمياه الجوفية، باعتبارها أحد أهم مصادر الاستقرار المائي في أجزاء واسعة من البلاد، محذرة من أن الاعتماد المتزايد على الآبار لتعويض نقص الأمطار قد يتحول من حل قصير الأجل إلى أحد أسباب تفاقم الأزمة على المدى الطويل.
فمع انخفاض الهطولات، يزداد الاعتماد على الضخ الجوفي، ما قد يؤدي إلى تراجع مناسيب المياه، وزيادة أعماق الآبار وتكاليف الطاقة والري، وبالتالي انخفاض الجدوى الاقتصادية للزراعة.
وتخلص الدراسة إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في تحول المياه الجوفية من وسيلة للتكيف مع الجفاف إلى وسيلة لاستهلاك احتياطي مائي يتجدد بمعدل أبطأ من معدل سحبه.
أزمة موارد وبنية تحتية وإدارة
ولا تحصر الدراسة المشكلة في ندرة الموارد الطبيعية، بل تصف الأزمة السورية بأنها مزيج من أزمة موارد وأزمة بنية تحتية وأزمة إدارة.
وتشير إلى أن تضرر منشآت المياه والطاقة والصرف الصحي، إلى جانب ضعف كفاءة شبكات الري والاستخدام المرتفع للمياه في الزراعة، يزيد هشاشة النظام المائي.
كما تلفت إلى مفارقة شهدها عام 2026، عندما أدت التدفقات والأمطار المرتفعة إلى تحسن مستويات المياه في بعض الخزانات وحدوث فيضانات في أجزاء من حوض الفرات، ما يعني أن التحدي لا يتعلق فقط بكمية المياه، وإنما أيضاً بتوقيت وصولها ومكانها والقدرة على تخزينها وإدارتها وتوزيعها.
خريطة أولية للمخاطر
وتقترح الدراسة خريطة تحليلية أولية لمستويات المخاطر المائية في المحافظات السورية، مصنفةً الحسكة والرقة ودير الزور ضمن مستوى «الخطر الشديد جداً»، فيما تضع دمشق وريف دمشق ودرعا والسويداء ضمن مستوى «الخطر الشديد».
وتصنف حلب وإدلب وحماة وحمص والقنيطرة ضمن مستوى «الخطر المرتفع»، بينما تأتي اللاذقية وطرطوس في مستوى أقل نسبياً، مع التأكيد أن انخفاض مستوى الخطر نسبياً لا يعني أن هذه المناطق آمنة مائياً.
وتؤكد الدراسة أن هذا التصنيف أداة تحليلية مقترحة لتحديد الأولويات، وليس تصنيفاً رسمياً صادراً عن جهة حكومية أو أممية.
ثلاثة سيناريوهات حتى 2036
وترسم الدراسة ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل المياه في سوريا خلال الفترة 2026–2036.
يفترض السيناريو الأول استمرار الاتجاهات الحالية من استنزاف للمياه الجوفية، وضعف كفاءة الري، وتدهور الشبكات وارتفاع الطلب وتذبذب المناخ، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الضغط المائي واتساع المناطق المعتمدة على الصهاريج والضخ العميق.
أما السيناريو الثاني فيقوم على التكيف الجزئي، من خلال تحسين شبكات الري وتنظيم جزء من الآبار وإصلاح بعض البنية التحتية وإدخال تقنيات الري الحديثة، بما يمكن أن يبطئ التدهور دون إنهاء الاستنزاف في الأحواض التي يتجاوز فيها الضخ معدلات التغذية الطبيعية.
بينما يقوم السيناريو الثالث على «التحول المائي المستدام» عبر الإدارة المتكاملة للأحواض، ووضع سقوف للضخ، ورفع كفاءة الري، وإعادة استخدام المياه، وحصاد مياه الأمطار، وتغيير التركيبة المحصولية وإصلاح الشبكات وتعزيز التعاون في إدارة الأنهار العابرة للحدود.
من «كم نزرع؟» إلى «كم نملك من الماء؟»
وتقترح الدراسة برنامجاً وطنياً للإنقاذ المائي يمتد حتى عام 2036، يبدأ بإجراءات عاجلة تشمل حصر الآبار وتحديد الأحواض الحرجة وتقليل فاقد الشبكات وتأمين مياه الشرب ومراقبة نوعية المياه وإنشاء نظام للإنذار المبكر بالجفاف والفيضانات.
وفي المراحل اللاحقة، تدعو إلى إعادة تأهيل شبكات الري، وتوسيع إعادة استخدام المياه المعالجة وحصاد مياه الأمطار، وتطوير أصناف زراعية مقاومة للجفاف، وصولاً إلى ربط الخطط الزراعية بما تسميه الدراسة «الميزانية المائية للحوض».
وتخلص الدراسة إلى أن سوريا لا تتجه بالضرورة إلى سيناريو «بلد بلا مياه»، لكن استمرار الاتجاهات الحالية قد يوسع نطاق المناطق التي تعاني عجزاً مائياً مزمناً، ويجعل بعض أشكال الزراعة غير اقتصادية أو غير مستدامة مائياً.
وتطرح في ختامها تحولاً في طريقة التفكير بالسياسات الزراعية، بحيث يبدأ التخطيط من تحديد كمية المياه التي يمكن توفيرها بصورة مستدامة، ثم تحديد الغذاء الذي يمكن إنتاجه بهذه الكمية، وليس العكس.