بقلم: أ. د. ضياء بوكتيلة
أستاذ وباحث في علم الوراثة والجينوميات التطبيقية للأنظمة البيولوجية الزراعية والبيئية – جامعة المنستير، تونس.
ماذا لو أمكن تعديل خلايا مريض يعاني مرضًا وراثيًا خطيرًا، لتستعيد قدرتها على أداء وظيفتها؟ ما بدا قبل سنوات احتمالًا علميًا بعيدًا أصبح واقعًا علاجيًا مع ظهور أول علاج معتمد يعتمد على تقنية كريسبر. لكن هذه الثورة تطرح سؤالًا يتجاوز المختبر: إلى أي مدى يمكننا تغيير الشفرة الوراثية للحياة، ومن يقرر الحدود؟
من استهداف جين بعينه إلى تطوير أدوات قادرة على إجراء تعديلات دقيقة في المادة الوراثية، تفتح تقنيات التحرير الجيني آفاقًا جديدة في الطب والزراعة والبحث العلمي. غير أن اتساع هذه الإمكانات يثير أسئلة لا تقل أهمية عن الإنجازات نفسها، تتعلق بسلامة النتائج وحدود التدخل في الجينوم والمسؤولية الأخلاقية عن استخدام هذه التكنولوجيا.
اليوم العالمي لكريسبر.. مناسبة للاحتفاء بالعلم ومساءلة حدوده
يُصادف العشرون من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام اليوم العالمي لكريسبر (World CRISPR Day)، وهي مناسبة علمية انطلقت لأول مرة عام 2020 بمبادرة من شركة التكنولوجيا الحيوية الأمريكية «سينثيغو» (Synthego)، بهدف الاحتفاء بالتقدم في تقنيات تحرير الجينات، وتعزيز تبادل المعرفة بين الباحثين، وتسليط الضوء على تطبيقاتها في الطب والزراعة والتكنولوجيا الحيوية.
وشهدت النسخة الأولى من المناسبة مؤتمرًا علميًا افتراضيًا جمع عشرات الباحثين والخبراء، بمشاركة العالمة جنيفر دودنا، التي تقاسمت مع إيمانويل شاربنتييه جائزة نوبل في الكيمياء عام 2020 تقديرًا لدورهما في تطوير تقنية كريسبر-كاس9 لتحرير الجينوم.
ولا تقتصر أهمية هذه المناسبة على الاحتفاء بالإنجازات العلمية، بل تمتد إلى مناقشة التحديات التقنية والأخلاقية المرتبطة بتحرير المادة الوراثية، وفي مقدمتها سلامة التطبيقات العلاجية والزراعية، وحدود التدخل في الجينوم البشري، والعدالة في إتاحة منافع هذه التكنولوجيا.
من دفاع البكتيريا إلى إعادة كتابة الشفرة الوراثية
لم تظهر تقنية كريسبر-كاس9 (CRISPR-Cas9) من فراغ، بل استلهمها العلماء من نظام دفاع طبيعي تستخدمه بعض البكتيريا للتعرف على المادة الوراثية للفيروسات التي تهاجمها ومواجهتها. وقد نجح الباحثون في إعادة توظيف هذا النظام وتحويله إلى أداة قابلة للبرمجة، تتيح استهداف مواقع محددة في الحمض النووي (DNA) وإجراء تعديلات وراثية عليها.
وتعتمد التقنية على جزيء يُعرف باسم الحمض النووي الريبي المرشد (Guide RNA)، يتولى توجيه إنزيم «كاس9» إلى موقع محدد في الحمض النووي، حيث يعمل الإنزيم بمثابة مقص جزيئي يُحدث قطعًا في التسلسل المستهدف. وعندما تبدأ الخلية بإصلاح هذا القطع، قد تنشأ تغييرات وراثية يمكن توجيه بعضها لتحقيق التعديل المطلوب، بينما قد تحدث تغييرات أخرى غير مقصودة، تبعًا لآليات الإصلاح الخلوي.
وقد شكّل تطوير هذه التقنية منعطفًا مهمًا في تاريخ الهندسة الوراثية، لا سيما بعد الأبحاث التي نشرتها العالمتان إيمانويل شاربنتييه وجنيفر دودنا مع باحثين آخرين عام 2012، والتي أسهمت في إرساء الأساس العلمي لاستخدام كريسبر-كاس9 أداةً لتحرير الجينات. وتُوّج هذا الإنجاز بمنح العالمتين جائزة نوبل في الكيمياء عام 2020.
وتكمن قوة كريسبر في إمكانية توجيهها إلى أهداف وراثية مختلفة، واستخدامها لتعديل الجينات أو تعطيل نشاطها، ودراسة وظائفها، وفهم دورها في ظهور صفات وراثية أو الإصابة بأمراض معينة. كما أسهمت مرونتها وسهولة استخدامها النسبية في توسيع نطاق تطبيقاتها داخل المختبرات، وجعلت التحرير الجيني أحد المجالات سريعة التطور في العلوم البيولوجية.
ومع ذلك، فإن القدرة على إحداث تغيير في الحمض النووي لا تعني بالضرورة الوصول إلى النتيجة المطلوبة؛ فالجينات لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن شبكة معقدة من التفاعلات البيولوجية. ولهذا، قد يؤدي التعديل الوراثي نفسه إلى نتائج مختلفة باختلاف نوع الخلايا والكائنات الحية والظروف المحيطة بها.
ما بعد كاس9: جيل جديد من أدوات التحرير الجيني
لم تتوقف ثورة التحرير الجيني عند تقنية كريسبر-كاس9 بصيغتها الأولى، بل شهد هذا المجال تطوير أدوات جديدة تهدف إلى زيادة دقة التعديلات الوراثية، وتوسيع نطاقها، وتجاوز بعض القيود المرتبطة بقطع الحمض النووي.
ومن أبرز هذه التطورات التحرير القاعدي (Base Editing)، الذي يتيح تغيير أنواع معينة من القواعد الوراثية، بما يشبه استبدال حرف واحد في الشفرة الجينية، دون الحاجة إلى إحداث قطع مزدوج في شريطي الحمض النووي.
أما التحرير الأولي (Prime Editing)، فيتيح إجراء مجموعة أوسع من التعديلات المحددة، تشمل استبدال تسلسلات وراثية قصيرة أو إضافة أجزاء صغيرة منها أو حذفها، باستخدام آلية تجمع بين التوجيه الدقيق لأدوات كريسبر ونشاط إنزيمي يسمح بكتابة التعديل المطلوب في الحمض النووي.
ولا تقتصر التطورات على تعديل تسلسل الحمض النووي؛ إذ تتوسع الأبحاث في توظيف أنظمة كريسبر لتنظيم نشاط الجينات، من خلال زيادة تعبيرها أو خفضه دون تغيير تسلسلها الوراثي، وكذلك استهداف الحمض النووي الريبي (RNA)، إلى جانب تطوير وسائل أكثر فاعلية لإيصال أدوات التحرير إلى الخلايا المستهدفة.
ومع ذلك، لا تعني هذه التطورات أن أداة واحدة أصبحت قادرة على إجراء جميع أنواع التعديلات الوراثية في مختلف الخلايا؛ فلكل تقنية إمكاناتها وحدودها، سواء من حيث نوع التعديلات الممكنة، أو كفاءة التحرير ودقته، أو طبيعة الموقع المستهدف، أو القدرة على إيصال مكونات التحرير إلى الخلايا. كما لا تزال بعض الأدوات تواجه تحديات تتعلق بالكفاءة والسلامة والتحقق من النتائج.
وهكذا، يتجه التحرير الجيني من الاعتماد على أداة محددة لإحداث تغييرات في الحمض النووي إلى عائلة متنامية من التقنيات التي تتيح تعديل المادة الوراثية أو تنظيم نشاطها بطرق أكثر تنوعًا. ولم تعد كريسبر مجرد أداة لقطع الحمض النووي، بل أصبحت منظومة تكنولوجية متعددة التطبيقات، تتطور باستمرار مع تقدم الأبحاث في علم الجينوم والهندسة الوراثية.
من المختبر إلى العلاج: حين يصبح التحرير الجيني تطبيقًا سريريًا
يمثل الطب أحد أوضح المجالات التي انتقلت فيها تقنيات كريسبر من البحث العلمي إلى التطبيق العلاجي. ففي ديسمبر/كانون الأول 2023، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على علاج «كاسجيفي» (Casgevy)، ليصبح أول علاج معتمد لديها يستخدم تقنية كريسبر-كاس9 لعلاج مرضى فقر الدم المنجلي الذين يعانون أزمات انسداد وعائي متكررة، ضمن الفئات المشمولة بالموافقة. ثم امتدت الموافقة في يناير/كانون الثاني 2024 لتشمل مرضى الثلاسيميا بيتا المعتمدة على نقل الدم.
وتكمن الفكرة الوراثية لهذا العلاج في أنه لا يصحح الطفرة المسؤولة عن فقر الدم المنجلي مباشرة، بل يتدخل في تنظيم التعبير الجيني لإعادة تنشيط إنتاج الهيموغلوبين الجنيني، وهو نوع من الهيموغلوبين يسهم في حماية كريات الدم الحمراء من التشوه المنجلي.
ولتحقيق ذلك، تستخدم تقنية كريسبر-كاس9 لتعديل منطقة تنظيمية مرتبطة بجين BCL11A، مما يقلل نشاطه في الخلايا المسؤولة عن إنتاج كريات الدم الحمراء، ويتيح زيادة إنتاج الهيموغلوبين الجنيني.
وعمليًا، تُستخرج من المريض خلايا جذعية مكوّنة للدم، وتُعدّل وراثيًا في المختبر، ثم تُعاد إلى جسمه بعد تهيئته علاجيًا، لتستقر في نخاع العظم وتنتج خلايا دموية تحمل التعديل. وهكذا، لا يقوم العلاج بإزالة الطفرة الأصلية، بل يتجاوز بعض آثارها الوظيفية عبر استعادة آلية جينية كانت نشطة خلال الحياة الجنينية.
وتكمن أهمية هذا الإنجاز في أنه يقدم دليلًا سريريًا على أن التحرير الجيني لم يعد مجرد احتمال نظري. لكنه لا يعني أن جميع الأمراض الوراثية أصبحت قابلة للعلاج، أو أن الإجراءات العلاجية أصبحت بسيطة ومتاحة للجميع.
فهذه العلاجات تتطلب بنية طبية متخصصة، وتحضيرًا علاجيًا مكثفًا، ومتابعة دقيقة للمخاطر المحتملة، كما أن تكلفتها المرتفعة وإمكانية الوصول إليها تظلان من أبرز التحديات التي تواجه توسيع نطاق الاستفادة منها.
التحرير الجيني وحدود التدخل في الجينوم البشري
لا تقتصر الأسئلة التي يطرحها التحرير الجيني على قدرته على علاج الأمراض، بل تشمل أيضًا طبيعة التعديلات الممكنة، وحدود استخدامها، والآثار التي قد تترتب عليها.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند المقارنة بين تعديل الخلايا الجسدية لدى المريض، وتعديل الخلايا التناسلية أو الأجنة لأغراض الإنجاب. فالتعديلات التي تستهدف الخلايا الجسدية لا تُورّث عادةً إلى الأبناء، في حين يمكن أن تنتقل التعديلات التي تُجرى على الخلايا التناسلية أو الأجنة إلى الأجيال اللاحقة.
وتكمن إحدى الصعوبات العلمية في أن التحرير الجيني لا يضمن دائمًا اقتصار التغيير على الموضع المستهدف، إذ قد تحدث تعديلات غير مقصودة، أو تنتج أنماط مختلفة من الخلايا المعدلة داخل الجنين الواحد، فيما يُعرف بالفسيفسائية الجينية، أي وجود مجموعات من الخلايا تحمل تغيرات وراثية مختلفة داخل الكائن نفسه.
وقد تجعل هذه الاحتمالات التنبؤ بالنتائج الصحية بعيدة المدى أمرًا معقدًا، ولا سيما عندما تكون التعديلات قابلة للانتقال وراثيًا.
ولهذا، تظل سلامة الاستخدام الإنجابي للتحرير الجيني البشري وفعاليته موضع تحفظ علمي ومؤسسي دولي، في ظل استمرار النقاش حول الضوابط الأخلاقية والقانونية اللازمة لتنظيم هذه التطبيقات.
هل تستطيع كريسبر إعادة تشكيل الزراعة؟
في النباتات، تتيح تقنيات التحرير الجيني استهداف جينات مرتبطة بمقاومة الأمراض، وجودة المحصول، وتركيبه الغذائي، واستجابته للجفاف والحرارة والملوحة.
وتكمن أهميتها في أنها توسّع أدوات التربية النباتية، إذ تسمح بإحداث تغييرات محددة في المادة الوراثية، بما قد يختصر بعض مراحل تطوير أصناف جديدة، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن الانتخاب الزراعي والتجارب الميدانية.
ومن الأمثلة التي انتقلت إلى التطبيق التجاري طماطم طُوّرت في اليابان باستخدام كريسبر-كاس9، وعُدّلت لزيادة محتواها من حمض غاما-أمينوبيوتيريك (GABA)، وهو مركب يؤدي أدوارًا بيولوجية في الجهاز العصبي، وتُدرس علاقته بتنظيم ضغط الدم.
وقد أُتيحت هذه الطماطم في السوق اليابانية عام 2021، لتقدم مثالًا عمليًا على توظيف التحرير الجيني لتحسين التركيب الغذائي للمحاصيل. غير أن زيادة محتواها من هذا المركب لا تعني وحدها ثبوت فوائد صحية محددة لدى المستهلكين، كما أنها لا تُعد دليلًا بحد ذاتها على زيادة الإنتاجية أو تعزيز الأمن الغذائي.
وتبرز أهمية أخرى لهذه التقنية في حماية المحاصيل من الأمراض؛ فقد أظهرت أبحاث على القمح إمكانية تطوير مقاومة لمرض البياض الدقيقي من خلال تعديل جينات مرتبطة بقابلية النبات للإصابة.
كما أظهرت دراسات على الأرز إمكانية استخدام التحرير الجيني الدقيق، بما في ذلك التحرير الأولي، لتعزيز مقاومة اللفحة البكتيرية.
وتُظهر هذه النتائج كيف يمكن استهداف آليات وراثية محددة للحد من خسائر المحاصيل، وإن كانت نتائج البحث لا تعني بالضرورة أن الأصناف المعنية أصبحت متاحة تجاريًا أو أثبتت فعاليتها على نطاق زراعي واسع.
ومن منظور الأمن الغذائي، تبرز قيمة هذه التطبيقات في ثلاثة اتجاهات مترابطة: تقليل خسائر الإنتاج الناجمة عن الأمراض والآفات، وتطوير محاصيل أكثر قدرة على التكيف مع الإجهادات البيئية، وتحسين بعض الخصائص الغذائية للمنتجات الزراعية.
وتكتسب هذه الأهداف أهمية خاصة في المناطق التي تواجه ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة وتزايد تقلبات المناخ، ومنها مناطق واسعة في العالم العربي.
غير أن تحمل الجفاف أو الملوحة، مثلًا، لا يرتبط عادةً بجين واحد، بل بتفاعلات معقدة بين عدد من الجينات والبيئة؛ لذلك يتطلب تطوير أصناف ناجحة اختبارها في ظروف زراعية متنوعة وعلى مدى مواسم متعددة.
وتكمن إحدى مزايا التحرير الجيني في إمكان الحصول على نباتات تحمل تعديلات محددة دون الإبقاء على حمض نووي غريب في المنتج النهائي. لكن غياب هذا الحمض النووي لا يكفي وحده للحكم على السلامة في التقييم العلمي والتنظيمي.
لذلك، لا يتمثل الوعد الحقيقي لكريسبر في أنها ستنهي مشكلات الزراعة، بل في أنها تضيف أداة قوية إلى برامج التربية النباتية، يمكن أن تسهم في تطوير محاصيل أكثر مقاومة وملاءمة للاحتياجات الغذائية والبيئية.
ويتوقف أثرها الفعلي في الأمن الغذائي على نجاح الأصناف المطوّرة في الحقول، وإمكانية إتاحتها للمزارعين، وكلفتها، ومدى تقبّل المستهلكين لها، إلى جانب التقييم العلمي لسلامتها وآثارها البيئية.
فالتقدم التقني، مهما بلغت أهميته، لا يضمن وحده نجاح هذه المحاصيل ما لم يحظَ بالثقة المجتمعية ويستجب لتطلعات المستهلكين ومخاوفهم.
الدقة ليست ضمانًا للسلامة: أين تقف حدود التقنية؟
تُوصف كريسبر كثيرًا بأنها أداة دقيقة، لكن الدقة هنا مفهوم نسبي، لا شهادة مطلقة على خلو النتائج من الأخطاء.
فقد تحدث تعديلات خارج الموقع المستهدف، كما قد تنشأ تغيرات غير مقصودة في الموقع نفسه، أو استجابات خلوية غير متوقعة. ويختلف احتمال هذه النتائج بحسب الأداة، والتسلسل المستهدف، ونوع الخلية، وطريقة إيصال مكونات التحرير.
ولهذا، لا يقتصر التحقق العلمي على التأكد من حدوث التعديل المطلوب، بل يشمل فحص التغيرات غير المقصودة، وتقييم آثارها البيولوجية، والتحقق من استقرار النتائج، ومتابعة السلامة وفق طبيعة التطبيق.
كما تظل عملية إيصال أدوات التحرير إلى الخلايا المستهدفة من أبرز التحديات التقنية، ولا سيما عندما يتطلب الأمر الوصول إلى أنسجة معينة داخل جسم الإنسان، أو التحرير الجيني داخل خلايا يصعب التعامل معها.
وقد تطورت وسائل الإيصال، لكن لا توجد طريقة واحدة مثالية لجميع الأنسجة والتطبيقات.
ومن ثم، فإن التقدم في كريسبر لا يُقاس فقط بقدرتها على إحداث التعديل، بل أيضًا بقدرتها على تحقيقه بكفاءة وخصوصية، وإثبات سلامة نتائجه بما يتوافق مع طبيعة كل استخدام.
حين تصبح القدرة العلمية سؤالًا أخلاقيًا
تضعنا كريسبر أمام سؤال فلسفي يتجاوز المختبر: إذا أصبح ممكنًا تعديل بعض مقومات الحياة، فهل ينبغي أن نُخضع كل ما نستطيع فعله لمنطق الإمكان التقني؟
لا تتعلق المسألة بالخوف من العلم، بل بالتمييز بين القدرة والمسؤولية.
ففي الطب، ينبغي التفريق بين علاج مرض قائم وتعديل صفات وراثية لأغراض غير علاجية؛ وفي الزراعة، بين تطوير صفات مفيدة وإطلاق منتجات من دون تقييم كافٍ لآثارها البيئية.
كما تثير التعديلات القابلة للتوريث إشكالات أخلاقية وقانونية خاصة، إذ قد تمتد آثارها إلى أجيال لم تشارك في اتخاذ القرار.
ويستدعي ذلك وضع أطر حوكمة ورقابة توازن بين التقدم العلمي ومتطلبات السلامة والعدالة في إتاحة هذه التقنية، بما يضمن توجيه استخدامها نحو المصلحة العامة.
ولهذا، دعت منظمة الصحة العالمية إلى أطر حوكمة ورقابة قوية لتحرير الجينوم البشري، تشمل التعاون الدولي والشفافية والمساءلة، وتراعي الأبعاد العلمية والأخلاقية والاجتماعية والقانونية.
إن التحدي الأعمق الذي تطرحه كريسبر ليس ما إذا كان الإنسان قادرًا على التدخل في الشفرة الوراثية، بل كيف يحدد حدود هذا التدخل، ويقيّم عواقبه، ويوزع منافعه ومخاطره بعدالة.
فكلما ازدادت قدرتنا على تحرير الحياة، ازدادت حاجتنا إلى حكمة تضبط استخدامها.
كريسبر ليست نهاية قصة الجينوم، بل بداية مرحلة جديدة في علاقتنا به؛ مرحلة لن يُحسم نجاحها بما نستطيع تغييره وحده، وإنما بقدرتنا على فهم ما نغيّره، وتحمل مسؤولية نتائجه.
المراجع العلمية
-
Jinek, M., et al. (2012). A Programmable Dual-RNA-Guided DNA Endonuclease in Adaptive Bacterial Immunity. Science, 337, 816–821.
https://doi.org/10.1126/science.1225829 -
Komor, A. C., et al. (2016). Programmable editing of a target base in genomic DNA without double-stranded DNA cleavage. Nature, 533, 420–424.
https://doi.org/10.1038/nature17946 -
Anzalone, A. V., et al. (2019). Search-and-replace genome editing without double-strand breaks or donor DNA. Nature, 576, 149–157.
https://doi.org/10.1038/s41586-019-1711-4 -
U.S. Food and Drug Administration (FDA). CASGEVY: Product Information and Regulatory Approvals.
https://www.fda.gov/vaccines-blood-biologics/casgevy -
World Health Organization (2021). Human Genome Editing: A Framework for Governance.
https://www.who.int/publications-detail-redirect/9789240030060 -
Tao, J., et al. (2023). Assessment and enhancement of CRISPR-Cas tools safety: from DNA to RNA editing. Nature Communications, 14, 212.
https://doi.org/10.1038/s41467-023-35886-6 -
Wang, Y., et al. (2014). Simultaneous editing of three homoeoalleles in hexaploid bread wheat confers heritable resistance to powdery mildew. Nature Biotechnology, 32, 947–951.
https://doi.org/10.1038/nbt.2969 -
Gupta, A., et al. (2023). High-efficiency prime editing enables new strategies for broad-spectrum resistance to bacterial blight in rice. Plant Biotechnology Journal, 21(7), 1454–1464.
https://doi.org/10.1111/pbi.14049 -
Nonaka, S., et al. (2017). Efficient increase of γ-aminobutyric acid (GABA) content in tomato fruits by targeted mutagenesis. Scientific Reports, 7, 7057.
https://doi.org/10.1038/s41598-017-06400-y