COP31 في أنطاليا.. ماذا تعني الشراكة التركية الأسترالية لمستقبل مفاوضات المناخ؟!


الأربعاء 2 سبتمبر 2026
COP31  في أنطاليا.. ماذا تعني الشراكة التركية الأسترالية لمستقبل مفاوضات المناخ؟!

أ.د/ عاصم عبد المنعم أحمد محمد

استاذ إقتصاديات التغيرات المناخية

بمركز معلومات تغير المناخ والطاقة المتجددة والنظم الخبيرة - مركز البحوث الزراعية- وزارة الزراعة وإستصلاح الأراضى

 

 

سَينعقد مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ لعام 2026 في الفترة من 9 إلى 20 نوفمبر في مدينة أنطاليا بتركيا. ويتألف هذا الحدث العالمي البارز من الدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر الأطراف (COP 31) في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، بمشاركة 198 طرفاً لتقييم التقدم المُحرز والتفاوض بشأن الاستجابات الدولية لتغير المناخ. كما ستشهد أنطاليا اجتماعات متزامنة تشمل الدورة  (CMP 21) لبروتوكول كيوتو، والدورة (CMA 8) لاتفاق باريس بالإضافة إلى الدورتين الـ 65 للهيئتين الفرعيتين للمشورة العلمية والتكنولوجية (SBSTA) والتنفيذ (SBI) "وهي الهيئات والاجتماعات الفنية والتنفيذية والقانونية المصاحبة لمفاوضات المناخ".

 

من برلين إلى أنطاليا: محطات في تاريخ مؤتمرات المناخ

تُعدّ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) مُعاهدة مُتعددة الأطراف اعتُمدت عام 1992، بعد فترة وجيزة من صدور التقرير التقييمي الأول للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) عام 1990. بهدف تثبيت تركيزات غازات الاحتباس الحراري عند مستوى آمن يمنع التدخل البشري الخطير في النظام المناخي. ومنذ دخولها حيز النفاذ عام 1994 شكلت الاتفاقية الأساس لمفاوضات تاريخية مثل بروتوكول كيوتو عام 1997 واتفاق باريس عام 2015.

وقد انطلقت هذه المسيرة من مؤتمر الأطراف الأول (COP 1) في برلين عام 1995، وصولًا إلى مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) في بيليم بالبرازيل في نوفمبر 2025. وتَتواصل الجهود العالمية مستقبلاً حيث ستستضيف إثيوبيا مؤتمر (COP 32) لعام 2027 في العاصمة أديس أبابا، ومع اعتذار دولة الهند عن استضافة المؤتمر فى دورته الثالثة والثلاثون تَمتلك مجموعة دول آسيا والمحيط الهادئ الحق الرسمى في استضافة مؤتمر الأطراف الثالث والثلاثين (COP 33) عام 2028.

 

 

كيف يتم اختيار الدولة المضيفة للمؤتمر؟

تعتمد الأمم المتحدة نظام التدوير بين المناطق الجغرافية لاختيار الدولة المضيفة. ويعقد أعضاء المجموعات الإقليمية مشاورات داخلية لتحديد الدولة التي ستقدم عرضاً للاستضافة من منطقتهم. وقد تم تقسيم دول العالم إلى خمسِ مجموعات رئيسية تابعة للأمم المتحدة تتناوب على ترشيح المستضيف وهم:

      • المجموعة الأفريقية
      • مجموعة آسيا والمحيط الهادئ
      • مجموعة أوروبا الشرقية
      • مجموعة أمريكا اللاتينية والكاريبي
      • مجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى.

 

ما هي أهم نتائج مؤتمر الأطراف فى دورته السابقة بالبرازيل  (COP30)؟

تَباينت الآراء الدولية حول مُخرجات مُؤتمر الأطراف الثلاثين (COP 30) الذي عُقد في بيليم بالبرازيل؛ حيث يَرى خبراء أن مستوى الطموح العام لم يرتفع بالشكلِ المطلوب لمواجهة الأزمة، لا سيما في ملفات التمويل وإزالة الغابات وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى. ومع ذلك أسفر المؤتمر عن مكاسب تاريخية وقرارات بديلة هامة:

-  خطة عمل بيليم للمساواة بين الجنسين: تم اعتماد خطة تَمتد لتسع سنوات لإدراج المساواة بين الجنسين في تدابير المناخ كافةً وتُركز الخطة على صحة النساء ومنع العنف وحماية الناشطات البيئيات مع مراعاة الفئات الأكثر تهميشًا مثل نساء السكان الأصليين والنساء ذوات الإعاقة.
 
- قرار "موتيراو" وخارطة الطريق المستقلة: بحسب وكالة الأنباء البرازيلية (ENB)، ونظرًا لغياب التوافق الدولي الشامل حول ملفات الوقود الأحفوري وإزالة الغابات في نص قرار "موتيراو" النهائي أعلنت الرئاسة البرازيلية أنها ستتولى بشكلٍ مستقلٍ وضع خارطتي طريق:

الأولى: تسريع الانتقال من الوقود الأحفوري بطريقةٍ عادلة ومنصفة.

الثانية: وقف إزالة الغابات وتدهور التربة وعكس مسارهما بحلول 2030.

وأعلنت البرازيل أنها ستُقدم تقريرًا رسميًا مفصلًا عن نتائج هاتين الخارطتين ومستويات التقدم فيهما خلال فعاليات مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP 31) القادم في تركيا.

 

نموذج فريد: خطة إدارة مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين  (COP 31)

وافق مؤتمر الأطراف الثلاثون (COP 30) على عرض تركيا باستضافة مؤتمر (COP 31) في مدينة أنطاليا ورحب المجتمع الدولي باتفاق تاريخي غير مسبوق بين تركيا وأستراليا لتقاسم الرئاسة بعد منافسة دامت لأكثر من 3 سنوات؛ حيث تقرر أن تستضيف تركيا الفعاليات بينما تتولى أستراليا منصب "رئيس المفاوضات"، على أن تُعقد اجتماعات تمهيدية قبل المؤتمر في جزر فيجي وتوفالو.

بموجب هذا الإطار الفريد تم تقسيم الأدوار كالآتي:

-        الدور التركي (اللوجستيات والتنفيذ(: تَتَولى تركيا العمليات التشغيلية كاملة وتَعيين رئيس المؤتمر وتَعيين بطل الأمم المتحدة رفيع المستوى لشؤون المناخ "High level climate champion" للإشراف على أجندة العمل غير التفاوضية "وهي مسار العمل المناخي الذي تشارك فيه الحكومات والمدن والشركات والمجتمع المدني خارج نصوص التفاوض الرسمية .

-        الدور الأسترالي (السياسة والمفاوضات): يقوم رئيس المؤتمر التركي رسميًا بتعيين رئيس أسترالي للمفاوضات ليتولى الأخير قيادة المباحثات الرسمية وتطوير مسودات النصوص، والتواصل مع الأطراف على مدار العام لصياغة التوجه السياسي للمُؤتمر Climate Home News

خلاصة القول؟ هذه هي المرة الأولى التي يُدار فيها مُؤتمر الأطراف بهذا الأسلوب المُشترك؛ حيث تقود تركيا ملفات التنفيذ على الأرض، بينما تضطلع أستراليا بدورٍ حاسم في صياغة المحتوى السياسي والموضوعي للمفاوضات رغم أنها ليست الدولة المضيفة.

 

ماذا يعني هذا التنسيق المشترك لمؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين  (COP31)؟

عندما تستضيف دولة واحدة مؤتمر الأطراف عادةً ما ينظر أصحاب المصلحة إلى أجندة المناخ الخاصة بتلك الدولة لاستشراف أولويات القمة. أما في هذه الحالة غير المسبوقة التي تشهد استضافة مشتركة بين دولتين من منطقتين مختلفتين، فإن الأولويات تبدو أقل وضوحًا. ومع ذلك بدأت تظهر بالفعل ثلاثة مجالات رئيسية للتقارب بين تركيا وأستراليا:

  • تَمويل المناخ ودعم جزر المحيط الهادئ: انطلاقًا من زخم المُؤتمرات الأخيرة، من المتوقع أن يكون "التمويل المناخي" محورًا بالغ الأهمية. ونظرًا للريادة الإقليمية لأستراليا يتوقع الخبراء أن تكون احتياجات الدول الجزرية الصغيرة النامية ودول جزر المحيط الهادئ في قلب الحوار، ويَدعم ذلك التوجه لعقد الاجتماع التحضيرى غير الرسمي لعام 2026 فى إحدى جزر المحيط الهادئ مما يُسلط الضوء على فجوة تَمويل التكيف والتَخفيف.
  • تعزيز المصالح والتحالفات الإقليمية: من المُرجح أن تَدفع هذه القيادة المشتركة نحو تعاون أوسع بين قارتي أوروبا وآسيا ومنطقة المحيط الهادئ. وفى وقت تَتَطلب فيه الأزمات البيئية عملًا منسقًا، قد تُشكل هذه الشراكة نموذجًا جديدًا لبناء تحالفات تكاملية تستمر حتى بعد انتهاء المؤتمر.
  • تَسريع تحول أنظمة الطاقة: يُعد تَسريع نشر الطاقة المتجددة والتَخلص التدريجي من الفحم والنفط والغاز أولوية مُشتركة للدولتين وهو ما يُظهر في التزاماتهما المحلية:

v   تركيا: التزمت بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 41% عن التَوقعات الحالية.

v   أستراليا: حَددت هدفًا طموحًا لخفض الانبعاثات بنسبة 43% مقارنةً بمستويات عام 2005.

النتيجة المتوقعة: قد يحتل تسريع التحول في أنظمة الطاقة ودعم الطاقة النظيفة موقعاً متقدماً في نقاشات COP31 ، إلا أن مستوى الالتزامات النهائية سيظل رهناً بمسار المفاوضات بين الأطراف.

 

هل بدء العد التنازلي لنوع جديد من مؤتمرات الأطراف؟

صُمم مؤتمر الأطراف الثلاثون (COP 30) ليكون "مؤتمراً تنفيذياً" يركز بشكل أساسي على حشد التمويل ودعم الحلول القائمة على الطبيعة. ورغم أنه لم يحقق كامل الطموحات المعقودة عليه، فمن المُتوقع أن يستكمل مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثون (COP 31) هذا المسار التنفيذي، ساعيًا إلى انتزاع التزامات عالمية أقوى ورسم مسارات أوضح للتطبيق مع اقتراب الموعد النهائي لتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.

وعلى نطاق أوسع، سيشكل مؤتمر (COP 31) اختبارًا هامًا لكيفية تعاون الدول في ظل نموذج "القيادة المشتركة". وسيراقب العالم نجاح أو فشل هذا النهج القائم على الرئاسة المزدوجة عن كثب؛ ليس فقط لما سيحققه من نتائج عملية، بل لما يحمله من دلالات لمستقبل التعاون مُتعدد الأطراف. فإذا استطاع هذا النموذج المُبتكر مواءمة القيادة السياسية ومفاوضات المناخ وخطط العمل على الأرض فقد يقدم "خارطة طريق" يُحتذى بها في المؤتمرات المستقبلية—مؤتمرات ستتطلب بالتأكيد تعاوناً أعمق ومسؤولية مشتركة وإنجازًا أسرع في ظل تفاقم آثار التغير المناخي عامًا بعد عام.

وفي الختام يشهد العالم اليوم واقعًا جديدًا حيث سيتم تجاوز حد الـ 1.5 درجة مئوية في السنوات القادمة، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ التي تُعيد تشكيل الاستقرار المالى والديناميكيات الجيوسياسية وخلق القيمة على المدى الطويل. ومع بلوغ الانبعاثات العالمية مستويات قياسية يُواجه المستثمرون مخاطر نظامية مُتصاعدة لا يُمكن إدارتها من خلال إجراءات تدريجية بسيطة. وفي ظل هذا المشهد يتلاشى عصر الالتزامات المناخية الشفهية ليحل محله العمل المُعقد والضروري لتحويل الاقتصادات، وهو ما يتطلب التزامات طموحة ومسارات عملية واضحة. وفي الوقت نفسه تتطور ممارسات السوق من قِبل الشركات الموقعة والشركات المستثمر فيها لتوفير فرص استثمارية حقيقية، حيث لم يعد نجاح نموذج "القيادة المشتركة" للدورة الحالية للمؤتمر(COP 31) مقتصرًا على المحادثات الدبلوماسية فحسب، بل بات ي!عتمد على مدى دمج آراء المُستثمرين التي تكتسب أهمية مُتزايدة في صياغة السياسات والأطر التي ستُتيح تدفق رؤوس الأموال على نطاق واسع لحماية مستقبل الكوكب.

 

المراجع

·       European Commission. What did COP30 achieve? December 2025.

·       Nidhi Upadhyaya. Why is COP31 co-hosted by Turkey and Australia? And why does it matter? The Climate Resilience Center. Feb 5, 2026.

·       What was agreed at COP30? Commons Library Research Briefing, 3 December 2025