التقارير تتناول مقاربة حقوقية في العدالة المائية والحوكمة المناخية في المنطقة العربية
يطلق الراصد العربي لعام 2025 سلسلة من التقارير الوطنية للمنطقة العربية الأسبوع الأول من تموز2026 في عمان التي تتناول واقع الحق في المياه وتغير المناخ في عدد من الدول العربية، مقدماً قراءة حقوقية لسياسات المياه والتحديات المناخية. ويستعرض هذا المقال أبرز ما تكشفه هذه التقارير عند قراءتها بصورة مقارنة.
عمّان – 3 تموز/يوليو 2026
هلا صبحي مراد
خبيرة في سياسات البيئة والمناخ
تكشف تقارير الراصد العربي 2025 حول الحق في المياه وتغير المناخ أن أزمة المياه في المنطقة العربية لا يمكن اختزالها في الندرة الطبيعية أو تراجع الهطول أو ارتفاع الطلب، فالندرة، مهما بلغت حدتها، لا تتحول وحدها إلى حرمان مائي؛ الذي يحولها إلى حرمان هو نمط الحوكمة الذي يحدد موقع الماء بين الهيمنة والسيادة، وبين العام والخاص، وبين الخدمة العامة والسلعة، وبين الحق غير المشروط والحق المرتبط بالقدرة على الدفع، ومن هنا، لا يصبح الماء حقا لمجرد وروده في السياسات أو الخطط الوطنية، بل عندما يعامل كحق إنساني واجب الإنفاذ، ومورد مشترك، وخير عام، وشرط للكرامة والمساواة والعدالة المناخية.
تستند هذه القراءة إلى منظومة حقوق الإنسان التي أقرت الحق في المياه باعتباره جزءا من شروط الحياة الكريمة، والصحة، والغذاء والسكن. ويشكل التعليق العام رقم 15 للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مرجعية تفسيرية أساسية لهذا الحق، إذ ربطه بالإتاحة، والجودة، وإمكانية الوصول، والقدرة على تحمل الكلفة، وعدم التمييز.
كما أكد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 64/292 الاعتراف بمياه الشرب المأمونة والنظيفة وخدمات الصرف الصحي كحق من حقوق الإنسان، وهو ما يجعل أزمة المياه في المنطقة العربية قضية إنفاذ ومساءلة، لا مجرد تحد إداري أو فني ، غير أن أهمية هذا الإطار لا تكمن في مرجعيته القانونية وحدها، بل في قدرته على كشف الفجوة بين الاعتراف الدولي والإنفاذ الوطني، ففي الأردن، لا تبدو المشكلة في محدودية الموارد فقط، بل في إدارة المياه بمنطق إداري وتشغيلي لا يدمج الالتزامات الحقوقية صراحة في بنية القرار؛ وهو ما ينعكس على التزويد المتقطع، وتفاوت الخدمة بين المناطق، وارتفاع كلفة البدائل، وضعف المساءلة، لذلك يدفع التقرير باتجاه الاعتراف الصريح بالحق في المياه في التشريعات الوطنية، وإنشاء آلية وطنية للمساءلة تضمن حق المواطنين في الشكوى والإنصاف.
عندما لا تكفي السياسات لضمان الحق في المياه
وتظهر الفجوة ذاتها في المغرب، ولكن من زاوية كثافة السياسات وضعف الضمانات، فالتقرير يبين أن أزمة الماء هناك تعكس تشابكا بين العوامل البيئية، والخيارات الاقتصادية، والاختلالات المؤسساتية، والتفاوتات الاجتماعية والمجالية، وأن الحق في الماء لا يزال هشا وغير مضمون بشكل عادل، خصوصا للفئات المهمشة والمجالات القروية والجبلية، وتزداد هذه الفجوة وضوحا عندما تتقاطع السياسات الفلاحية والطاقة والتعمير مع استنزاف الموارد، حيث يحذر التقرير من استمرار دعم الزراعات التصديرية المستنزفة للماء، ومن غياب تقييم دقيق لتأثير مشاريع مثل الهيدروجين الأخضر على التوازنات المائية في المناطق الهشة.
في مصر وتونس، يكشف الحق في المياه عن علاقة أكثر تعقيدا بين المناخ والاقتصاد والكلفة الاجتماعية، ففي مصر، لا يكفي الحديث عن فقر مائي أو نقص في الموارد إذا لم يقرأ ذلك ضمن سياقه الاجتماعي والسياسي والبيئي؛ فالسؤال الحقوقي لا يتعلق فقط بحجم المياه المتاحة، بل بمن يصل إليها، وبأي جودة وكلفة، ومن يتحمل مخاطر الاعتماد المتزايد على المياه الجوفية كملاذ اضطراري في ظل التغير المناخي، أما في تونس، فيظهر التقرير مفارقة العدالة المناخية بوضوح: فالبلاد لا تسهم إلا بنحو 0،07% من انبعاثات الغازات الدفيئة، لكنها تتأثر بشدة بتراجع التساقطات وارتفاع درجات الحرارة وتوالي سنوات الجفاف، ويضيف التقرير أن كلفة مياه الشرب قد تصل إلى نحو 135 دينارا شهريا، أي حوالي 15% من دخل عائلة تونسية لا يتجاوز متوسط دخلها 924 دينارا تونسيا، ما يجعل القدرة على تحمل الكلفة جزءا مركزيا من إعمال الحق في الماء لا تفصيلا ماليا هامشيا.
العدالة المناخية: المشكلة ليست في المناخ وحده
غير أن المناخ لا يفسر وحده ما يحدث، فهو يضغط على الموارد، لكنه لا يقرر بمفرده من يحصل على المياه ومن يحرم منها، ولا يحدد من يدفع كلفة الانقطاع أو التلوث أو ارتفاع الأسعار، السياسات تفعل ذلك، والحوكمة تفعل ذلك، وخيارات الخصخصة والتسليع والاستثمار تفعل ذلك، لذلك يصبح التكيف المناخي "من منظور حقوقي" أكثر من سدود وتحلية ومياه جوفية وشبكات، إنه اختبار للعدالة في توزيع الكلفة والمنفعة، ولا يكون عادلا إذا نقل كلفة الندرة إلى الأسر الفقيرة، أو جعل الماء حقا مشروطا بالقدرة على شراء الصهاريج والمياه المعبأة، أو فتح الباب أمام شراكات لا تضمن الحد الأدنى من الحق في المياه.
المياه العابرة للحدود... بين القانون والسيادة
ويتعمق هذا البعد عندما يتعلق الأمر بالمياه المشتركة، فالقانون الدولي للمياه العابرة للحدود يقوم على الاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب بضرر ذي شأن، والتعاون وتبادل البيانات، في الأردن، تبرز أهمية هذه المبادئ في الدبلوماسية المائية، وفي العراق تصبح المياه المشتركة مسألة سيادة وأمن إنساني ومعيشي، لأن الاعتماد على دجلة والفرات وشط العرب يجعل الحق في المياه مرتبطا بسياسات دول المنبع وبقدرة الدولة على التفاوض والإنفاذ الداخلي، ويكشف التقرير العراقي أن البلاد لا تمتلك حتى الآن قانونا وطنيا شاملا للمياه، بل تعتمد على تشريعات متفرقة وإطار مؤسسي معقد، بما يضعف القدرة على حماية المياه كحق إنساني في ظل الضغوط المناخية والسياسية.
حين تصبح المياه قضية سيادة واحتلال
أما في فلسطين، فتظهر المياه في أقصى صور الهيمنة على المورد، حيث لا تنفصل أزمة المياه عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي والسيطرة على الأرض والموارد والسيادة، يوضح التقرير أن الحقوق المائية الفلسطينية بقيت ثابتة تاريخيا، لكن مع سيطرة سلطات الاحتلال الجزء الأكبر من فلسطين عام 1948 ثم احتلت الجزء المتبقي عام 1967، بدأت السيطرة على مصادر المياه واستخدامها لصالح سلطات الاحتلال الإسرائيلي على حساب أصحاب الحق الأصليين، وصولا إلى إعلان مصادر المياه في الأراضي المحتلة ملكا لسلطات الإحتلال بموجب الأمر العسكري رقم 2 لعام 1967، في هذه الحالة، لا تكفي لغة تحسين الخدمة، لأن الحق في المياه يرتبط بالحق في تقرير المصير والسيادة على الموارد الطبيعية ومساءلة السيطرة الاحتلالية.
المياه في النزاعات المسلحة: مورد للحياة وأداة للضغط
وفي سوريا، يتداخل الحق في المياه مع المسألة الزراعية ، ومع ضعف الدور الحكومي والسيطرة المتعددة على الموارد، فلا يظهر الماء كحق منزلي فقط، بل كشرط للإنتاج الزراعي، وبقاء المجتمعات الريفية وحماية الأمن الغذائي وحقوق المزارعين. ويبين التقرير أن الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية، وتدمير البنية التحتية، وتعدد قوى الأمر الواقع، واستخدام المياه كوسيلة ضغط وصراع، تجعل الحق في المياه مدخلا لفهم العلاقة بين السلطة والموارد واستقرار المجتمع الزراعي.
بين الخدمة العامة وتسليع المياه
وتكتسب مسألة التسليع والخصخصة أهمية خاصة حين تفشل الخدمة العامة أو تتراجع، فالماء لا يختفي بل ينتقل إلى السوق. حيث يحصل عليه من يستطيع الدفع ويحرم منه من لا يستطيع.
في لبنان، يذهب التقرير إلى أن أزمة المياه ليست ندرة مادية فقط، بل عرض من أعراض الظلم المنهجي المتجذر في التعددية القانونية والاستغلال البيئي واستيلاء النخبة ونموذج التنمية الذي تقوده الجهات المانحة، لذلك يدعو إلى نزع صفة التسليع عن المياه، وحماية المياه الجوفية قانونيا، وتفكيك النهج التنازلي لصالح نماذج تشاركية يملكها المواطنون والمجتمع.
قراءة إقليمية: أربعة مسارات تحكم مستقبل المياه العربية
تكشف تقارير الراصد العربي 2025، عند قراءتها موضوعيا لا قطريا، أن أزمة المياه في المنطقة تتحرك بين أربعة مسارات متداخلة:
مسار الهيمنة ، حيث يظهر الاحتلال أو الاستيلاء على الأرض والمياه أو السيطرة على الأحواض المشتركة.
مسار السوق ، حيث تتقدم الخصخصة والتسليع والاستثمار والشراكات غير المحكومة بضمانات حقوقية
مسار الدولة المركزية ، حيث تدار المياه كخدمة عامة لكنها قد تبقى فوقية أو غير خاضعة للمساءلة.
مسار السيادة الحقوقية ، حيث يعاد تعريف الماء كحق دستوري، وحق غير مشروط، ومورد مشترك، ومشاع ديمقراطي تحكمه المشاركة والعدالة والإنصاف.
ما الذي ينبغي أن يتغير؟!
لذلك.. فإن العدالة المائية في المنطقة العربية ليست مطلبا قطاعيا محدودا ، بل اختبار لجدية الدول في تنفيذ التزاماتها الحقوقية والمناخية فالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتعليق العام رقم 15، وقرار الجمعية العامة 64/292، واتفاقيات المياه المشتركة، واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، واتفاق باريس، كلها تقدم مرجعيات واضحة، لكنها تبقى محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى قوانين وطنية، وآليات منظمة ، وبيانات شفافة، ومساءلة مؤسسية، وحوكمة ديمقراطية تحمي الماء كحق إنساني ومورد مشترك وشرط للسيادة والكرامة في زمن تغير المناخ.
تمثل هذه التقارير مرجعا مهما لفهم العلاقة بين العدالة المائية والحوكمة المناخية في المنطقة العربية، ويمكن الاطلاع على النسخ الكاملة عبر الرابط التالي: