أ.د/ عاصم عبد المنعم أحمد محمد
استاذ إقتصاديات التغيرات المناخية
رئيس قسم بحوث الأرصاد الجوية الزراعية
المعمل المركزى للمناخ الزراعى- مركز البحوث الزراعية -وزارة الزراعة وإستصلاح الأراضى- جمهورية مصر العربية
على الرغم من أن السيادة الغذائية كانت في البداية مشروعًا سياسيًا طرحته حركات شعبية زراعية، إلا أن بعض الدول والمؤسسات قد تَبنت هذا المفهوم الآن وأعادت تعريفه في إطار سياساتها وأنظمتها القانونية.
يتناول هذا المقال النشأة التاريخية والسياسية لمُصطلح "السيادة الغذائية" وتطوره ومن ثم يتطرق إلى كيفية اكتساب هذا المفهوم معنى قانونيًا في التشريعات الدولية والوطنية.
المقدمة
أضحت أزمة الغذاء العالمية خلال الفترة 2007-2008 والتي تميزت بارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكلٍ كبير، وأعمال الشغب في المدن بسبب نقص الغذاء، مع استمرار نزوح الفقراء في الريف مؤشرًا واضحًا على أن النموذج الحالى للتنمية الزراعية لم ولن ينجح في القضاء على الفقر أو الجوع في العالم.
أخذ مفهوم السيادة الغذائية تطورًا سريعًا منذ طرحه لأول مرة قبل أكثر من عقد من الزمن، وأصبح مرجعًا أساسيًا في النقاشات المُتعلقة بقضايا الغذاء لا سيما بين الحركات الاجتماعية حول العالم. ولم يعد هذا المفهوم محصورًا في منظمات أو روابط أو نقابات المزارعين فحسب، بل باتَ يُشار إليه بشكلٍ متزايد من قبل نقابات/ روابط مربى الإنتاج الحيوانى والصيادين والشعوب الأصلية بالإضافة إلى المُنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ذات الصلة، كما وبدأ يحظى باعتراف بعض وكالات الأمم المتحدة.
مصطلح السيادة الغذائية Food sovereignty
ازداد استخدام مصطلح السيادة الغذائية منذ منتصف التسعينيات، فهو مصطلح شامل لنُهُجٍ مُحددة لمعالجة مشاكل الجوع وسوء التغذية، فضلاً عن تَعزيز التنمية الريفية والسلامة البيئية وسُبل العيش المُستدامة.
على الرغم من عدم وجود تعريف متفقٌ عليه عالميًا لمصطلح السيادة الغذائية قَدمت العديد من الوثائق تعريفات له منها على سبيل المثال لا الحصر:
مفهوم السيادة الغذائية متجذر في الحركات الشعبية الاجتماعية والزراعية في أمريكا اللاتينية التي ظهرت كرد فعل على السياسات الاقتصادية الزراعية الغذائية النيوليبرالية في الثمانينيات والتسعينيات.
السيادة الغذائية هي حق الشعوب والحكومات في اختيار طريقة إنتاج واستهلاك الغذاء بما يَحترم سُبل العيش وكذلك السياسات التى تدعم هذا الخيار.
السيادة الغذائية هي حق الشعوب في الحصول على غذاء صحي ومناسب ثقافيًا، يُنتَج بأساليبٍ مُستدامة وصديقة للبيئة، وحقها في تحديد أنظمتها الغذائية والزراعية. وتضع تطلعات واحتياجات من ينتجون ويوزعون ويستهلكون الغذاء في صميم الأنظمة والسياسات الغذائية بدلاً من متطلبات الأسواق والشركات.
وفي السنوات الأخيرة اكتسب مفهوم "السيادة الغذائية" زخمًا سياسيًا متزايدًا داخل الاتحاد الأوروبي فعلى سبيل المثال أدرجت دولة إيطاليا في عام 2022 مُصطلح السيادة الغذائية في المسمى الجديد لوزارة الزراعة والأغذية والغابات حيث تم تَعديل المُسمى إلى وزارة الزراعة والسيادة الغذائية والغابات مما يُشير إلى أهمية هذا المصطلح، ومن جهة أخرى قامت دولة فرنسا باتباع نهج إيطاليا وتم إضافة مُصطلح السيادة الغذائية فى المسمى الجديد لوزارة الزراعة الفرنسية. وفي الآونة الأخيرة حَددت المجر هذا المفهوم كأحد أولويات رئاستها لمجلس الاتحاد الأوروبي للفترة المُمتدة من يوليو إلى ديسمبر 2024.
برزت السيادة الغذائية: التي تُعرف على نطاق واسع بأنها حق الدول والشعوب في التحكم في أنظمتها الغذائية الخاصة، بما في ذلك أسواقها وأنماط إنتاجها وثقافاتها الغذائية وبيئاتها، كبديلٍ حاسم للنموذج النيوليبرالي السائد للزراعة والتجارة.
ومن أكثر التعريفات شيوعًا ما ورد في تقرير شبكة السيادة الغذائية الشعبية 2002
السيادة الغذائية هي حق الشعوب في تحديد غذائها وزراعتها وحماية وتنظيم الإنتاج والتجارة الزراعية الداخلية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ وتَحديد مدى رغبتها في الاكتفاء الذاتي والحد من إغراق أسواقها بالمنتجات الأجنبية ومنح المجتمعات المحلية التي تَعتمد على مصايد الأسماك الأولوية في إدارة استخدام الموارد المائية وحقوقها فيها. ومما لاشك فيه أن السيادة الغذائية لا تنفى أو تَتَعارض مع التجارة بل تُشجع على صياغة سياسات ومُمارسات تجارية تخدم حقوق الشعوب في الغذاء وفي إنتاج آمن وصحي ومُستدام بيئيًا.
العناصر الأساسية للسيادة الغذائية
ناقشت حركة لا فيا كامبيسينا (La Via Campesina) في مؤتمرها الدولي الثاني الذي عُقد خلال الفترة من 18 إلى 21 أبريل 1996 في مدينة تلاكسكالا المكسيك (Tlaxcala) لأول مرة مفهوم السيادة الغذائية كحق للشعوب في تحديد سياساتهم الزراعية والغذائية الخاصة، حيث يرى الفلاحون وقادة المزارع الذين اجتمعوا خلال المؤتمر أن مفهوم السيادة الغذائية جنبًا الى جنب مع مفهوم الأمن الغذائي لضمان حصول السكان المحليين على غذاء مُناسب ثقافيًا ومغذٍ وليس فقط مفهوم الأمن الغذائي الذى يَعتمد على الواردات. مع تأكيدهم بأن السيادة الغذائية هي الحل الجذرى للجوع والفقر في الريف.
ملخص كتاب "المبادئ السبعة لتحقيق السيادة الغذائية" الصادر عن منظمة "فيا كامبيسينا"
· الغذاء حق أساسي من حقوق الإنسان: يجب أن يحصل كل فرد على غذاء آمن ومغذٍّ ومناسب ثقافيًا بكمية ونوعية كافية لضمان حياة صحية بكرامة إنسانية كاملة، وينبغي لكل دولة أن تُعلن أن الحصول على الغذاء حق دستورى.
· الإصلاح الزراعي: ثمة حاجة ماسة إلى إصلاح زراعي حقيقي يمنح المُعدمين والمزارعين ولا سيما النساء ملكية الأرض التي يزرعونها والسيطرة عليها، ويُعيد الأراضي إلى الشعوب الأصلية. يجب أن يكون الحق في الأرض خاليًا من أي تمييز على أساس الجنس أو الدين أو العرق أو الطبقة الاجتماعية أو الأيديولوجية فالأرض ملك لمن يزرعها.
· حماية الموارد الطبيعية: السيادة الغذائية تَستلزم الرعاية والاستخدام المُستدام للموارد الطبيعية لا سيما الأرض والمياه والبذور وسلالات الماشية، يَجب أن يَتمتع من يعملون في الأرض بالحق في مُمارسة الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية والحفاظ على التنوع البيولوجي دون قيود حقوق الملكية الفكرية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال أساس اقتصادي متين مع ضمان حيازة الأراضي وتربة صحية وتقليل استخدام المواد الكيميائية الزراعية.
· إعادة تنظيم تجارة الغذاء: يُعدّ الغذاء في المقام الأول مصدرًا للتغذية وليس سلعة تجارية حيث يأتى الغذاء كسلعة في المرتبة الثانية. يجب أن تُعطي السياسات الزراعية الوطنية الأولوية للإنتاج المُخصّص للاستهلاك المحلي والاكتفاء الذاتي الغذائي، ومن جهة أخرى يجب ألا تُؤدّي واردات الغذاء إلى إزاحة الإنتاج المحلي أو خفض أسعار المنتج المحلى.
· إنهاء عولمة الجوع: تُقوَّض السيادة الغذائية بفعل المؤسسات الدولية مُتعددة الأطراف ورأس المال المُضارب. وسهّلت السياسات الاقتصادية للمُنظمات مُتعددة الأطراف: مثل منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي تزايد سيطرة الشركات مُتعددة الجنسيات على السياسات الزراعية، لذا ثمة حاجة إلى تنظيم رأس المال المُضارب وفرض ضرائب عليه وإلى مدونة سلوك صارمة تُطبَّق على الشركات مُتعددة الجنسيات.
· السلام الاجتماعى: لكل فرد الحق في العيش فى مأمن من العنف، لا يجوز إطلاقًا استخدام الغذاء كسلاح. تفاقم مستويات الفقر والتهميش فى الريف جنبًا إلى جنب مع تزايد اضطهاد الأقليات العرقية والسكان الأصليين يُزيد من حدة الظلم واليأس، ولا يمكن التسامح مع استمرار تهجير صغار المزارعين والتوسع الحضرى القسرى والقمع وتزايد حالات العنصرية ضدهم.
· الرقابة الديمقراطية: يجب أن يكون للمزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة دور مباشر في صياغة السياسات الزراعية على جميع المستويات، وسيتعين على الأمم المتحدة والمُنظمات ذات الصلة الخضوع لعملية ديمقراطية لتمكين تحقيق ذلك. لكل فرد الحق في الحصول على معلومات صادقة ودقيقة وفي اتخاذ القرارات بشكل مفتوح وديمقراطي، تُشَكل هذه الحقوق أساس الحوكمة الرشيدة والمساءلة والمُشاركة المتساوية في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بعيدًا عن جميع أشكال التمييز. ويجب منح النساء الريفيات على وجهِ الخصوص حق المُشاركة المُباشرة والفعالة في اتخاذ القرارات المُتعلقة بالغذاء والقضايا الريفية.
وفى الختام يتجاوز مفهوم السيادة الغذائية مفهوم الأمن الغذائي فالسيادة الغذائية أكثر شمولية ومرونة وتكاملاً، ومع ذلك يظل ضمان الحق في الغذاء والأمن الغذائي من بين عناصرها الأساسية. يجب أن تتوافق السياسات والتدابير الوطنية المُعتمدة لتحقيق السيادة الغذائية مع قانون التجارة العالمي وهو التزام يصعب الوفاء به أحيانًا، ورغم أن هذه التدابير تُنفذ غالبًا من خلال قيود تجارية مثل حظر التصدير أو الاستيراد، إلا أنها قد تَتَعارض مع مبادئ التجارة الحرة. لا تحظى السيادة الغذائية بقبول عالمي كهدف ويعود ذلك جزئيًا إلى نطاقها الواسع وقبولها أحيانًا ببعض القيود التجارية، ومع ذلك ومع ازدياد التحديات الكبرى كالتغيرات المناخية وتدهور التنوع البيولوجى والنزاعات وغيرها من التحديات التي تواجه توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه على الناس وضغطها على الحكومات للتحرك، قد تلجأ المزيد من الدول إلى استخدام التدابير التجارية لخلق بيئة غذائية وطنية أكثر استجابة للاحتياجات الغذائية والثقافة الوطنية.
المراجع
· Middendorf M and Herzig C (2025) Food sovereignty at the organizational level: a framework for characterizing the diversity of economic actors. Front. Sustain. Food Syst. 9:1258633.
· Michael Windfuhr and Jennie Jonsén, 2005. Food Sovereignty: Towards democracy in localized food systems. The Schumacher Centre for Technology and Development, Bourton Hall Bourton-on-Dunsmore, Rugby, Warwickshire, CV23 9QZ, UK.