مؤشرات بيليم تضع التكيف في الأردن أمام الاختبار..هل تصل الخطط إلى المجتمع؟


الاثنين 14 سبتمبر 2026
مؤشرات بيليم تضع التكيف في الأردن أمام الاختبار..هل تصل الخطط إلى المجتمع؟

مؤشرات بيليم تضع التكيف في الأردن أمام الاختبار..هل تصل الخطط إلى المجتمع؟ 

المطلوب ليس مزيدا من الخطط بل نظاما يثبت أن التكيف يصل إلى المجتمع 

 

هلا صبحي مراد - الأردن

خبيرة في سياسات البيئة والمناخ 

 

بعد قرابة عشرة أشهر على اعتماد مؤشرات بيليم للتكيف لا تكمن أهميتها للأردن في إضافة 59 مؤشرا جديدا إلى التقارير الوطنية، بل في السؤال الذي تفرضه على مجمل العمل المناخي: هل تستطيع الدولة إثبات أن سياسات التكيف وخططه خفضت المخاطر والخسائر والقابلية للتأثر، وحسنت قدرة الناس والخدمات والنظم البيئية على التعامل مع آثار تغير المناخ؟

هذا السؤال أكثر صعوبة من إثبات وجود استراتيجية أو مشروع أو تدريب، فالأردن يمتلك قاعدة سياسية واسعة للتكيف تشمل المساهمة المحددة وطنيا المحدثة لعام 2021، وخطة التكيف الوطنية لعام 2022، ورؤية NDC 3.0 المقدمة في أيلول 2025، لكن اتساع التغطية القطاعية لا يعني بالضرورة وجود نظام قادر على قياس النتائج، أو كشف التفاوت بين المناطق والفئات، أو إثبات أن التعلم من التنفيذ انعكس في الموازنات والقرارات، هنا تكمن قيمة مؤشرات بيليم، كما تكمن حدودها.

المؤشرات ليست شهادة نجاح دولية

اعتمد مؤتمر الأطراف العامل بوصفه اجتماع أطراف اتفاق باريس 59 مؤشرا تغطي المياه، والغذاء والزراعة، والصحة، والنظم الإيكولوجية، والبنية التحتية والمستوطنات، والفقر وسبل العيش، والتراث الثقافي، إضافة إلى تقييم المخاطر والتخطيط والتنفيذ والرصد والتقييم والتعلم [1].

لكن القرار ينص بوضوح على أن المؤشرات طوعية وغير عقابية وغير معيارية، ولا تستخدم للمقارنة بين الدول أو شرطا للحصول على التمويل، كما يؤكد أن التكيف يعتمد على السياق، وأنه لا توجد منهجية واحدة تصلح لجميع الدول، لذلك، سيكون من الخطأ التعامل معها كقائمة امتثال يجب على الأردن تعبئتها كاملة، قيمتها الحقيقية أنها توفر عدسة لمراجعة بنية التكيف الوطنية واختيار ما يناسب المخاطر والقدرات والبيانات الأردنية [1، 7].

 

الأردن يمتلك خريطة واسعة لكنه لا يمتلك لوحة نتائج مكتملة

أحدثت المساهمة المحددة وطنيا المحدثة عام 2021 نقلة مهمة في حضور التكيف، إذ تناولت المياه والزراعة والصحة والتنوع البيولوجي والمنعة الحضرية والحد من مخاطر الكوارث والتراث والسياحة ووسائل التنفيذ، وربطت مسار التكيف بخطة التكيف الوطنية، لكنها بقيت، في جانب كبير منها، إطارا للبرامج والتوجهات المقترحة أكثر من كونها نظاما لقياس التغير الناتج عنها [2].

 

وقدمت خطة التكيف الوطنية لعام 2022 أول إطار أردني شامل للتكيف، ووسعت المعالجة لتشمل القطاعات والتمويل والنوع الاجتماعي والشباب والفئات الأكثر تعرضا والتخطيط المحلي والرصد والمراجعة والتعلم، وهذه قاعدة مهمة ينبغي البناء عليها، لا تجاوزها، لكن وجود الإطار لا يثبت أن إجراءاته نفذت ضمن دورة متكاملة، أو أن نتائج الرصد نشرت دوريا، أو أن المراجعة غيرت البرامج والموازنات، وجود نظام مقترح للرصد لا يساوي تشغيله، وعد المشاريع لا يثبت انخفاض المخاطر [3].

وتضيف رؤية NDC 3.0 توجها أكثر تكاملا نحو الأمن المائي والزراعة والحرارة الحضرية والصحة والإنذار المبكر والتمويل والمشاركة، لكنها، بحكم طبيعتها المختصرة والموجهة دوليا، لا تستطيع أن تحل محل خطة تكيف محدثة تتضمن خطوط أساس وأهدافا كمية وتكاليف ومسؤوليات وجداول زمنية [4].

لذلك، لا يحتاج الأردن إلى دمج خطة التكيف داخل NDC، ولا إلى فصل الوثيقتين بصورة تخلق الازدواجية، المطلوب فصل وظيفي مترابط: تقود خطة التكيف الوطنية تحليل المخاطر والأولويات والتنفيذ والتمويل والتعلم، بينما تنقل NDC إلى المستوى الدولي خلاصة الالتزامات والنتائج التي يختار الأردن إبرازها.

 

أين يظهر الاختبار الحقيقي

في المياه، لا يكفي إثبات وجود برامج لخفض الفاقد أو تحسين الكفاءة، مؤشرات بيليم تدفع نحو قياس استمرارية الوصول إلى مياه مأمونة وميسورة، وقدرة البنية التحتية على العمل تحت سيناريوهات احترار مختلفة، والتفاوت بين المناطق والفئات ،  وهذا يعني ربط البيانات المناخية بمعلومات الانقطاع والجودة والكلفة والفاقد وقدرة الشبكات، لا التعامل مع كل مجموعة بيانات بصورة منفصلة [1، 10].

وفي الزراعة، لا يكفي تسجيل المساحات التي تطبق ممارسات ذكية مناخيا، القياس الجاد يتطلب معرفة أثرها في الغلة والدخل واستهلاك المياه والأمن الغذائي، وتحديد من يستطيع تبنيها ومن يتحمل كلفتها ومن يبقى لعدم القدرة المعرفية والمهارية قبل المادية  فالتوسع في التكنولوجيا لا يعد تكيفا ناجحا إذا أدى إلى تعميق التفاوت بين المزارعين .

وفي الصحة، تتطلب المؤشرات قياس الوفيات والمراضة المرتبطة بالحرارة والسيول والغبار والأمراض الحساسة للمناخ، واستمرارية الخدمات أثناء الأحداث وبعدها، وقدرة المرافق الصحية على تحمل المخاطر، ويحتاج ذلك إلى ربط مكاني وزمني بين بيانات المناخ والسجلات الصحية، وإدماج التعرض المهني للعاملين في الزراعة والإنشاءات والنظافة والعمل غير المنظم [1، 5، 12].

أما الفقر وسبل العيش، فتظهر فيهما فجوة أعمق، الإشارة إلى النساء والشباب واللاجئين والفئات الأكثر تعرضا لا تكفي لإثبات عدالة التكيف، المطلوب ربط خرائط المخاطر بنظم الحماية الاجتماعية، وقياس خسائر الدخل وتعطل العمل والوصول إلى التأمين والدعم والتعافي، وتحديد عتبات مناخية تسمح بتفعيل استجابة اجتماعية مبكرة.

ويحضر التراث الثقافي والطبيعي في المساهمة المحدثة وخطة التكيف الوطنية، لذلك لا تتمثل الفجوة في غياب الاعتراف به، بل في تحويله إلى جرد للمواقع والعناصر المعرضة، وتقييم للمخاطر تحت سيناريوهات مختلفة، وخطط طوارئ وتدابير تكيف ورقمنة وحفظ آمن وبناء قدرات، وفي البترا مثلا، لا يمكن فصل حماية التراث من السيول والحرارة عن الاقتصاد المحلي والمعرفة التقليدية وحقوق المجتمعات المحيطة [1-3].

 

الرصد والمراجعة والتعلم حلقة تغيير لا تقنية من اجل  تقارير فقط

 

تكتسب منظومة الرصد والمراجعة والتعلم MRL، أو الرصد والتقييم والتعلم MEL وفق المصطلح الأكثر استخداما، أهميتها لأنها تربط المعلومات بالقرار، الرصد يبين ما نفذ وأين ومن استفاد، والمراجعة أو التقييم يختبران الملاءمة والفاعلية والعدالة، والتعلم يترجم النتائج إلى تعديل في التصميم والموازنة والمسؤوليات.

إذا توقفت المنظومة عند جمع البيانات، أصبحت أداة امتثال او أداة تقريرية ،  وإذا أغلقت الحلقة بإثبات ما تغير في القرار نتيجة الأدلة، أصبحت أداة حقيقية للتكيف، وهذا يقتضي ألا يبقى النظام مركزيا بين الوزارات، يمكن تطبيقه محليا عبر سجلات للمخاطر والنتائج على مستوى البلديات والأحواض، تجمع البيانات الرسمية مع معرفة السكان، فلا يقاس نجاح قناة لتصريف السيول بانتهاء إنشائها، بل بانخفاض التعرض والخسائر وعدم نقل الخطر إلى حي آخر، ولا يقاس نجاح تدريب المزارعين بعدد المشاركين، بل بتغير الممارسة واستمرارها وأثرها في المياه والمحصول والدخل.

وضع الناس في قلب التكيف لا يتحقق بعدد الحضور في المشاورات، بل بدورهم في تعريف النتائج والتحقق من البيانات وكشف من بقي خارج الحماية ومناقشة توزيع المنافع والأعباء والمشاركة في قرار استمرار التدخل أو تعديله، ويتسق ذلك مع قرار بيليم الذي يشدد على المشاركة والشفافية والعدالة الاجتماعية وتصنيف البيانات وفق الخصائص الاجتماعية والمخاطر والمناطق والمستويات الإدارية [1]، كما تؤكد الإرشادات الفنية المحدثة لخطط التكيف الوطنية ضرورة ربط التخطيط بالتنفيذ والتعلم المتكرر والاستناد إلى أفضل العلوم المتاحة [8، 11].

 

مسار أردني عملي

يمكن تحويل مؤشرات بيليم إلى فرصة مؤسسية عبر خمسة إجراءات مترابطة:

1. مراجعة تنفيذ خطة 2022 قبل إعادة كتابتها، وتحديد ما نفذ وما لم ينفذ وأسباب التعثر والنتائج والدروس، بدلا من إنتاج خطة جديدة تبدأ من الصفر.

2. اختيار حزمة وطنية محدودة من المؤشرات ذات الأولوية، تشمل الأمن المائي، واستمرارية المياه المأمونة، وأثر التكيف الزراعي في الغلة والدخل، والوفيات والمرض المرتبطة بالمناخ، وتغطية الإنذار المبكر وفهمه، وقدرة المرافق الحرجة، والوصول إلى الحماية الاجتماعية.

3. إعداد بطاقة وطنية لكل مؤشر تحدد التعريف وخط الأساس والهدف ومصدر البيانات والجهة المسؤولة ودورية القياس ومستوى التصنيف والكلفة. دون ذلك ستبقى المؤشرات عناوين غير قابلة للتشغيل.

4. اختبار الحزمة محليا في أنماط مختلفة: المياه والزراعة والحرارة في الأزرق، والسيول والإنذار المبكر والتراث في وادي موسى، والسيول العابرة للحدود الإدارية والتنسيق البلدي في ذيبان ومليح، والحرارة والصحة والعمل في الأغوار والمدن الكبرى.

5. نشر تقرير سنوي للتكيف والتمويل يبين ما خصص وما صرف وأين ولمن، وما تحقق وما تعثر، وما تغير في السياسة نتيجة التعلم، فتقرير فجوة التكيف يؤكد الحاجة إلى الانتقال من التمويل القصير والمتفرق ورد الفعل إلى تكيف استباقي واستراتيجي وتحويلي [9].

 

 

أخيرا لا تقدم مؤشرات بيليم وصفة جاهزة للأردن، ولا تثبت وحدها جودة التكيف، لكنها تكشف الفرق بين وجود السياسات وبين القدرة على إثبات نتائجها.

يمتلك الأردن قاعدة تخطيطية واسعة، لكن الحلقة الأضعف ما تزال في خطوط الأساس، وتصنيف البيانات، وقياس النتائج والتفاوتات، وتتبع التمويل، وتشغيل التعلم المؤسسي والمحلي، ويؤكد تقرير المناخ والتنمية الخاص بالأردن أن مساره المناخي سيتحدد إلى حد كبير بخيارات السياسات والاستثمار في المياه والطاقة والزراعة والنقل والتنمية الحضرية، وبقدرته على تنسيق الترابط بينها [10].

لذلك، يجب أن يبدأ تحديث خطة التكيف الوطنية بمراجعة مستقلة لما نفذ منذ 2022، والعمل على ترسيخ نظام وطني ومحلي للرصد والتقييم والتعلم، واختيار حزمة واقعية من مؤشرات بيليم وربطها بالموازنات والمسؤوليات، عندها فقط تنتقل المؤشرات من تمرين للإبلاغ إلى أداة تكشف المخاطر والتفاوتات، وتوجه التمويل، وتضع الناس والمجتمع فعليا في قلب التكيف.

 

المراجع 

[1] UNFCCC. 2025. Global Goal on Adaptation: Proposal by the President. FCCC/PA/CMA/2025/L.25. https://unfccc.int/sites/default/files/resource/cma2025_L25E.pdf

[2] Hashemite Kingdom of Jordan. 2021. Updated Submission of Jordan's First Nationally Determined Contribution. https://unfccc.int/sites/default/files/NDC/2022-06/UPDATED%20SUBMISSION%20OF%20JORDANS.pdf

[3] Ministry of Environment, Jordan. 2022. The National Climate Change Adaptation Plan of Jordan. https://www.moenv.gov.jo/ebv4.0/root_storage/en/eb_list_page/national_adaptation_plan.pdf

[4] Hashemite Kingdom of Jordan. 2025. Jordan's Nationally Determined Contribution NDC 3.0: Vision for Ambition, Integration, and Inclusive Climate Action. https://unfccc.int/sites/default/files/2025-09/Jordan%20NDC%203.0%20Vision_final.pdf

[5] Ministry of Health, Jordan. 2024. National Climate Change Health Adaptation Strategy and Action Plan 2024-2033. https://www.atachcommunity.com/fileadmin/uploads/atach/Documents/Country_documents/Jordan_HNAP_2024-2033.pdf

[6] Mercy Corps. 2025. Improving Climate Policies in Jordan: Evidence Paper. https://www.mercycorps.org/sites/default/files/2025-04/improving-climate-policies-in-jordan-evidence-paper-en.pdf

[7] UNFCCC. 2023. Glasgow-Sharm el-Sheikh Work Programme on the Global Goal on Adaptation. Decision 2/CMA.5. https://unfccc.int/documents/636584

[8] Least Developed Countries Expert Group. 2025. The NAP Technical Guidelines. https://napcentral.org/nap-guidelines

[9] UNEP. 2024. Adaptation Gap Report 2024: Come Hell and High Water. https://www.unep.org/resources/adaptation-gap-report-2024

[10] World Bank. 2022. Jordan Country Climate and Development Report. https://www.worldbank.org/en/country/jordan/publication/jordan-country-climate-and-development-report

[11] IPCC. 2022. Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability. https://www.ipcc.ch/report/ar6/wg2/

[12] WHO Regional Office for the Eastern Mediterranean. 2025. Jordan Launches a National Strategy for Health Sector Adaptation to Climate Change. https://www.emro.who.int/jor/jordan-news/jordan-launches-a-national-strategy-for-health-sector-adaptation-to-climate-change.html