بقلم
أ.د عاصم عبد المنعم
استاذ إقتصاديات التغيرات المناخية
رئيس قسم بحوث الأرصاد الجوية الزراعية المعمل المركزى للمناخ الزراعى- مركز البحوث الزراعية
في ظل الضغوط المتزايدة على الأنظمة الزراعية عالميًا، لم يعد التحدي مقتصرًا على زيادة الإنتاج الغذائي، بل بات يتمحور حول كيفية تحقيق ذلك دون استنزاف الموارد أو تعميق الفجوات التنموية، خصوصًا في المناطق الريفية التي تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم “الزراعة الدائرية” كنموذج يعيد صياغة العلاقة بين الإنتاج الزراعي والتنمية، عبر تحويل المزرعة من وحدة استهلاك تقليدية إلى نظام إنتاجي متكامل يعيد تدوير موارده ويعظم كفاءتها.
من الزراعة الخطية إلى اقتصاد ريفي دائري
ظل النموذج الزراعي التقليدي لعقود قائمًا على مسار خطي يبدأ باستخراج الموارد وينتهي بإنتاج النفايات، وهو ما أدى إلى تدهور التربة، وتلوث المياه، وارتفاع الانبعاثات الكربونية، فضلًا عن زيادة الأعباء الاقتصادية على المزارعين. هذا النمط، رغم دوره التاريخي في رفع الإنتاجية، أصبح اليوم يهدد استدامة الإنتاج الزراعي، خاصة في البيئات الريفية الهشة.
في المقابل، تقوم الزراعة الدائرية على مبدأ إغلاق حلقات الإنتاج، حيث تتحول المخلفات إلى موارد، ويُعاد استخدام المياه والعناصر الغذائية داخل النظام الزراعي نفسه. هذا التحول لا يمثل فقط استجابة بيئية، بل يؤسس لاقتصاد ريفي أكثر كفاءة، يقلل من الاعتماد على المدخلات الخارجية، ويمنح المزارعين قدرة أكبر على التحكم في مواردهم وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
من ممارسات تقليدية إلى نماذج تطبيقية متكاملة
رغم حداثة الطرح، فإن الزراعة الدائرية تستند إلى جذور تاريخية عميقة، حيث اعتمدت المجتمعات الزراعية القديمة على ممارسات مثل الزراعة على المدرجات، التي أسهمت في حماية التربة من الانجراف وتعظيم الاستفادة من المياه، وعلى الدورة الزراعية التي حافظت على خصوبة التربة وحدّت من انتشار الآفات، إلى جانب استخدام الأسمدة العضوية التي أعادت تدوير العناصر الغذائية داخل النظام الزراعي.
وتُظهر الأدبيات العلمية، كما يوضحه الشكل المرفق في الدراسة، أن هذه الممارسات لا تُعد تقنيات منفصلة، بل تشكل منظومة مترابطة ضمن الزراعة المستدامة، حيث تتكامل إدارة التربة والمياه والتنوع الحيوي ضمن إطار واحد يعزز كفاءة النظام الزراعي ككل.
وفي سياق التطبيق الحديث، تتخذ الزراعة الدائرية أشكالًا متعددة تعكس هذا التكامل. فالزراعة الحراجية، التي تقوم على دمج الأشجار مع المحاصيل أو تربية المواشي، لا توفر فقط غطاءً نباتيًا يحمي التربة، بل تخلق أيضًا مصادر دخل متنوعة للمزارعين، وتدعم التنوع البيولوجي. وفي المقابل، تسعى الزراعة التجديدية إلى استعادة صحة الأراضي الزراعية عبر تعزيز الكربون العضوي في التربة وتحسين قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، وهو ما ينعكس على زيادة الإنتاجية وتقليل الحاجة إلى المدخلات الكيميائية.
أما الأنظمة الزراعية المغلقة، مثل الزراعة المائية أو الاستزراع المائي، فتمثل نموذجًا متقدمًا لإعادة تدوير الموارد، حيث يتم استخدام المياه بكفاءة عالية وإعادة تنقيتها لإعادة استخدامها، ما يقلل الفاقد ويحافظ على البيئة. وفي السياق ذاته، يبرز استخدام المياه المعالجة في الزراعة كأحد الحلول العملية لتوسيع الرقعة الزراعية، حيث تشير التقديرات إلى إمكانية ري ملايين الهكتارات الإضافية عبر هذا النهج، ما يخفف الضغط على الموارد المائية التقليدية ويعزز استدامتها.
الزراعة الدائرية كرافعة للتنمية الريفية
تتجلى أهمية الزراعة الدائرية في قدرتها على تحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية حقيقية داخل المجتمعات الريفية. فمن خلال إعادة استخدام المخلفات الزراعية، يمكن إنتاج أسمدة عضوية أو طاقة حيوية، ما يقلل التكاليف التشغيلية ويخلق مصادر دخل إضافية. كما أن دمج الأنشطة الزراعية، مثل الجمع بين الإنتاج النباتي والحيواني، يعزز استقرار النظام الاقتصادي للمزرعة ويحد من المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق.
وتبرز تجربة مزارع البن في كينيا كنموذج عملي على هذا التحول، حيث أدى دمج أشجار الظل مع محاصيل البن، واستخدام المحاصيل البقولية لتعزيز النيتروجين في التربة، إلى تحسين جودة الإنتاج وزيادة إنتاجية الأراضي، مع تقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية. كما ساهمت ممارسات الإدارة الحيوية للآفات في الحفاظ على التوازن البيئي داخل المزرعة، وهو ما يعكس قدرة هذا النموذج على تحقيق مكاسب بيئية واقتصادية في آن واحد.
ومع تسارع الابتكار في القطاع الزراعي، تتجه الزراعة الدائرية إلى الاندماج مع تقنيات حديثة مثل الزراعة الذكية والرقمنة، في محاولة لتعزيز الكفاءة وتحقيق إنتاجية أعلى بموارد أقل. غير أن نجاح هذا التحول، خاصة في العالم العربي، يظل مرتبطًا بمدى القدرة على تمكين المجتمعات الريفية، وتوفير البنية التحتية، ونقل المعرفة، بما يضمن انتقالًا فعليًا نحو نموذج تنموي مستدام.
في المحصلة، لم تعد الزراعة الدائرية مجرد خيار بيئي، بل أصبحت إطارًا استراتيجيًا لإعادة بناء اقتصاد الريف، عبر نظام إنتاجي يقلل الهدر ويعظم القيمة، ويمنح المجتمعات الزراعية قدرة أكبر على الصمود في مواجهة التحديات المستقبلية، دون التفريط في موارد الأجيال القادمة.