أحمد ردمان الشميري
رئيس الشبكة العربية للصحافة العلمية
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد طفرة تقنية تعيد تشكيل الاقتصاد والمعرفة، بل أصبح بنية صناعية متكاملة تستهلك موارد حقيقية، وفي مقدمتها المياه. وفي لحظة عالمية يُعاد فيها طرح سؤال الاستدامة، يبرز تساؤل لم يعد ممكنًا تجاهله: كيف يمكن لتقنيات يُفترض أنها “رقمية” أن تترك هذا الأثر المادي العميق على أحد أكثر موارد الأرض حساسية؟
ما يحدث خلف الشاشات لا يقل تعقيدًا عمّا يظهر عليها. فكل تفاعل رقمي "مهما بدا بسيطًا" يمر عبر منظومة ضخمة من مراكز البيانات التي تعمل بكثافة لمعالجة الطلبات، وهذه العمليات تولّد حرارة هائلة تتطلب أنظمة تبريد مستمرة. هنا تبدأ العلاقة غير المرئية بين الذكاء الاصطناعي والمياه.
من الخوارزمية إلى قطرة الماء
لفهم هذه العلاقة لا بد من تتبع المسار الكامل لأي طلب رقمي. فعندما يطرح المستخدم سؤالًا، يتم توجيهه إلى خوادم تعمل بشكل متزامن لمعالجة البيانات، وهو ما ينتج عنه بحث ومعالجة دقيقة جداً تتسبب بارتفاع في درجات حرارة هذه المعالجات. وللحفاظ على كفاءة هذه المعالجات والأنظمة، تعتمد مراكز البيانات على تقنيات تبريد، أبرزها التبريد التبخري، حيث يستخدم الماء لخفض حرارة الهواء قبل ضخه إلى الأجهزة.
في هذه العملية لا يستخدم الماء فقط، بل يُفقد فعليًا نتيجة التبخر، ما يعني استهلاكًا مباشراً غير قابل للاسترجاع. لكن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد، إذ إن تشغيل هذه المراكز يتطلب كميات ضخمة من الكهرباء، التي تُنتج بدورها في كثير من الأحيان باستخدام المياه ضمن عمليات التبريد في محطات الطاقة. وهنا يتشكل ما يمكن وصفه بـ“البصمة المائية غير المباشرة”، حيث يصبح كل طلب رقمي مرتبطا بسلسلة ممتدة من استهلاك المياه.
المفارقة هنا أن هذه الأنظمة لا تعتمد على أي نوع من المياه، بل غالبًا ما تستخدم مياهاً عذبة عالية الجودة، قريبة من مياه الشرب، لتفادي ترسب الأملاح داخل أنظمة التبريد، وهو ما يضع ضغطاً إضافيا على الموارد المائية الأكثر ندرة.
أرقام صغيرة .. أثر عالمي كبير
في محاولة لقياس هذا الأثر، تشير الدراسة ( Making AI Less Thirsty) والصادرة عن جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد
إلى أن عشرات الاستفسارات على أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تعادل استهلاك نحو نصف لتر من المياه. ورغم أن هذا الرقم لا يعكس استهلاكًا مباشرًا لكل تفاعل، بل يمثل ما يُعرف بالبصمة المائية المكافئة، إلا أنه يكشف أن كل استخدام رقمي " ولو عابر" يساهم في استنزاف الموارد الطبيعية.
وفي سياق أوسع ، تشير الدراسة نفسها إلى أن تدريب النماذج اللغوية الكبيرة قد يتطلب كميات هائلة من المياه، حيث يمكن أن يصل استهلاك نموذج واحد إلى نحو 700 ألف لتر من المياه العذبة. وفي نص الدراسة يرد: “Training GPT-3… can directly consume 700,000 liters of freshwater”، وهو رقم يعكس حجم استنزاف الموارد التي تقف خلف ما يبدو للمستخدم مجرد واجهة رقمية بسيطة.