الذكاء الاصطناعي بين الابتكار والاستنزاف: البصمة المائية في قلب التحول الرقمي


السبت 2 مايو 2026
الذكاء الاصطناعي بين الابتكار والاستنزاف: البصمة المائية في قلب التحول الرقمي

أحمد ردمان الشميري

رئيس الشبكة العربية للصحافة العلمية 

 

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد طفرة تقنية تعيد تشكيل الاقتصاد والمعرفة، بل أصبح بنية صناعية متكاملة تستهلك موارد حقيقية، وفي مقدمتها المياه. وفي لحظة عالمية يُعاد فيها طرح سؤال الاستدامة، يبرز تساؤل لم يعد ممكنًا تجاهله: كيف يمكن لتقنيات يُفترض أنها “رقمية” أن تترك هذا الأثر المادي العميق على أحد أكثر موارد الأرض حساسية؟

ما يحدث خلف الشاشات لا يقل تعقيدًا عمّا يظهر عليها. فكل تفاعل رقمي "مهما بدا بسيطًا" يمر عبر منظومة ضخمة من مراكز البيانات التي تعمل بكثافة لمعالجة الطلبات، وهذه العمليات تولّد حرارة هائلة تتطلب أنظمة تبريد مستمرة. هنا تبدأ العلاقة غير المرئية بين الذكاء الاصطناعي والمياه.

 

من الخوارزمية إلى قطرة الماء

لفهم هذه العلاقة لا بد من تتبع المسار الكامل لأي طلب رقمي. فعندما يطرح المستخدم سؤالًا، يتم توجيهه إلى خوادم تعمل بشكل متزامن لمعالجة البيانات، وهو ما ينتج عنه بحث ومعالجة دقيقة جداً تتسبب بارتفاع في درجات حرارة هذه المعالجات. وللحفاظ على كفاءة هذه المعالجات والأنظمة، تعتمد مراكز البيانات على تقنيات تبريد، أبرزها التبريد التبخري، حيث يستخدم الماء لخفض حرارة الهواء قبل ضخه إلى الأجهزة.

في هذه العملية لا يستخدم الماء فقط، بل يُفقد فعليًا نتيجة التبخر، ما يعني استهلاكًا مباشراً غير قابل للاسترجاع. لكن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد، إذ إن تشغيل هذه المراكز يتطلب كميات ضخمة من الكهرباء، التي تُنتج بدورها في كثير من الأحيان باستخدام المياه ضمن عمليات التبريد في محطات الطاقة. وهنا يتشكل ما يمكن وصفه بـ“البصمة المائية غير المباشرة”، حيث يصبح كل طلب رقمي مرتبطا بسلسلة ممتدة من استهلاك المياه.

المفارقة هنا أن هذه الأنظمة لا تعتمد على أي نوع من المياه، بل غالبًا ما تستخدم مياهاً عذبة عالية الجودة، قريبة من مياه الشرب، لتفادي ترسب الأملاح داخل أنظمة التبريد، وهو ما يضع ضغطاً إضافيا على الموارد المائية الأكثر ندرة.

 

أرقام صغيرة .. أثر عالمي كبير

في محاولة لقياس هذا الأثر، تشير الدراسة ( Making AI Less Thirsty) والصادرة عن جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد

إلى أن عشرات الاستفسارات على أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تعادل استهلاك نحو نصف لتر من المياه. ورغم أن هذا الرقم لا يعكس استهلاكًا مباشرًا لكل تفاعل، بل يمثل ما يُعرف بالبصمة المائية المكافئة، إلا أنه يكشف أن كل استخدام رقمي " ولو عابر" يساهم في استنزاف الموارد الطبيعية.

وفي سياق أوسع ، تشير الدراسة نفسها إلى أن تدريب النماذج اللغوية الكبيرة قد يتطلب كميات هائلة من المياه، حيث يمكن أن يصل استهلاك نموذج واحد إلى نحو 700 ألف لتر من المياه العذبة. وفي نص الدراسة يرد: “Training GPT-3… can directly consume 700,000 liters of freshwater”، وهو رقم يعكس حجم استنزاف الموارد التي تقف خلف ما يبدو للمستخدم مجرد واجهة رقمية بسيطة.

ChatGPT Image 2 مايو 2026، 03_31_29 ص.png
توليد هذا الإنفوجرافيك قد يكون استهلك تقريبًا ما بين نصف لتر ولتر واحد من الماء، بحسب تقديرات البصمة المائية المرتبطة بتوليد الصور بالذكاء الاصطناعي.

هذه الأرقام، وإن بدت محدودة على مستوى الفرد، تتحول إلى معادلة مختلفة تمامًا عند النظر إلى حجم الاستخدام العالمي، حيث تُنفذ مليارات العمليات يوميا، ما يعني أن الأثر التراكمي لم يعد هامشيا، بل بات عاملا حقيقيا في معادلة الموارد العالمية.

 

مفارقة الاستدامة: عندما يصبح الحل جزءًا من المشكلة

اللافت في هذا المشهد أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُعوّل عليه في تحسين إدارة المياه ومواجهة تغير المناخ، يضيف في الوقت ذاته ضغطا جديدا على هذه الموارد. فهو يُستخدم لتطوير أنظمة ري أكثر كفاءة، والتنبؤ بالجفاف، وتحسين توزيع المياه، لكنه يعتمد في بنيته على استهلاك متزايد لها.

هذه المفارقة تضع مفهوم الاستدامة أمام اختبار حقيقي، وتفرض إعادة التفكير في كيفية تصميم وتشغيل هذه الأنظمة. بعض الشركات بدأت بالفعل في البحث عن حلول بديلة، مثل تقنيات التبريد الهوائي، وإعادة تدوير المياه داخل مراكز البيانات، أو نقلها إلى مناطق ذات مناخات أكثر برودة. 

من يستهلك الماء أكثر: النص أم الصورة أم الفيديو؟

لا يتوقف استهلاك المياه عند حدود استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يتباين بشكل واضح بحسب نوع المحتوى. فالتطبيقات النصية تُعد الأقل استهلاكا نظرا لاعتمادها على عمليات حسابية محدودة نسبيًا، بينما يرتفع الاستهلاك في توليد الصور نتيجة تعقيد المعالجة وحجم البيانات. أما الفيديو، فيمثل المستوى الأعلى من الاستهلاك، نظرا لاعتماده على معالجة آلاف الإطارات وتشغيل موارد حاسوبية لفترات أطول.

هذا التفاوت يعكس حقيقة جوهرية، مفادها أن كثافة المعالجة الرقمية ترتبط مباشرة بحجم الموارد المائية المستخدمة في الخلفية، حتى وإن ظل هذا الارتباط غير مرئي للمستخدم.
ختاماً .. يبقى التحدي قائماً في تحقيق توازن دقيق بين التوسع التكنولوجي والحفاظ على الموارد الطبيعية، خاصة في عالم يواجه بالفعل أزمات متزايدة في المياه العذبة.