د. منى هندية
متخصصة في قضايا المياه والبيئة
عضو المجلس العلمي الإستشاري بالشبكة
التعامل مع المياه قضية وجودية وتحولت المشكلة المائية في الاردن الى مشكلة أمنية واستراتيجية وسياسية واقتصادية واجتماعية وزراعية وصحية وقانونية وفنية من الدرجة الاولى.
المنخفضات الجوية تمنح دفعة مؤقتة إيجابية على مخزون المياه عبر تغذية السدود والآبار الجوفية، مما يحسن الوضع المائي، وينعكس إيجاباً على الزراعات البعلية والأشجار المثمرة، ويدعم الغطاء النباتي والمراعي، وتخفف الضغط على المصادر المائية الجوفية، مما يوفر هامشًا إضافيًا لإدارة الطلب على المياه.
هل ستسهم هطولات الامطار الكبيرة هذا الشتاء في تحسين مخزون السدود والآبار المخصصة لمياه الشرب في الاردن، أم أن أثرها ما يزال محدودًا حتى الآن،
رغم أن الهطولات الغزيرة التي شهدها الأردن هذا الشتاء بدأت تُحسّن مخزون السدود بشكل واضح وهو مؤشر على أن بعض الأحواض السطحية استفادت سريعًا من تتابع الحالات الجوية. ولكن أثرها على الآبار المياه الجوفية عادةً أبطأ ومحدود على المدى القصير وتعتمد على طبيعة التربة والصخور، وعلى مكان الهطول المطري ضمن أحواض تغذية الآبار. ولهذا لن نرى “تعافيًا سريعًا” في معظم آبار الشرب إلا إذا تراكمت هطولات جيدة على مدى أطول وعليه أيضا يجب ضبط الضخ الجائر، لأن الشحن الجوفي محدود وبطيء مقارنة بحجم السحب. ونتيجة الهطول المطري الغزير خلال وقت قصير قد يذهب جزء كبير منه للجريان السطحي والسيول بدل التغلغل للتربة .
عمليًا، تحسّن السدود يساعد في دعم منظومة المياه (خاصة في بعض المحافظات والقطاعات)، لكنه لا يعني تلقائيًا أن برنامج التزويد سيتغير فورًا. فحتى مع تحسن التخزين، يبقى ملف إدارة الطلب والفاقد جزءًا مؤثرًا من المعادلة.
كيف يمكن استثمار هذا الموسم المطري لتحسين إدارة التزويد المائي مستقبلاً، والانتقال من حلول مؤقتة إلى استقرار أطول أمدًا؟
السؤال الأهم الذي يواجه قطاع المياه في الأردن لا يتعلق فقط بـ“كمية هطول الامطار”، بل بـ“كيف نُحوّل هذا الموسم إلى مكاسب دائمة” تقلل الاعتماد على الحلول المؤقتة، وتبني استقرارًا أطول أمدًا في مياه الشرب.
هذا الموسم المطري يمكن تحويله من “خبر سار مؤقت” إلى رافعة لاستقرار مائي طويل الامد إذا استُخدم كفرصة من خلال تخزين ذكي، وتقليل الفاقد، وبناء مصادر بديلة ثابتة. لذلك الفكرة هي بدل أن تنتهي موجات السيول خارج مناطق الاستفادة، يُعاد توجيه جزء منها للتخزين السطحي أو للاستخدام الزراعي/الرعوي، ما يخفف الضغط عن مصادر مياه الشرب. ويتم رفعها بطريقة هندسية عبر أستخدام أحواض تسريب ذات نفاذية في مناطق مناسبة جيولوجيًا؛ واستخدام سدود/حواجز تغذية (recharge dams) وتحويل جزء من جريان السيول إليها بدل ضياعه. لكن التنفيذ يجب أن يكون “مدروسًا”، لأن تجارب تغذية جوفية دون دراسات كافية قد تفشل أو تسبب مشاكل نوعية المياه. وعن طريق تحديد مواقع تغذية جوفية “جاهزة” قرب مجاري السيول، وتجهيزها لاستقبال موجات الجريان (تحويلات بسيطة مع أحواض ترسيب لحماية الجودة). ومراقبة العكارة والملوثات قبل التسريب حتى لا نُدخل تلوثًا للخزان الجوفي.
ويجب تشغيل السدود بعقلية “حصاد كل موجة” ليس المهم فقط “كم دخل للسد”، بل كيف نُقلّل الفواقد داخل الحوض من خلال إزالة الترسبات/الطمي في بعض المواقع لزيادة السعة الفعلية. أيضا أهمية تحسين إدارة الفيضانات من خلال جزء من موجات السيول يمكن توجيهه للتغذية الجوفية بدل خروجه سريعًا.
طالما أن التغذية الطبيعية للمياه الجوفية محدودة (3–5%)، فإن الانتقال للاستقرار يتطلب رفع هذه النسبة عبر التغذية الاصطناعية/المُدارة للخزانات الجوفية (مثل أحواض تسريب، آبار حقن، وترسيب أولي لحماية الجودة). الفكرة مطبقة محليًا كحل عملي وتعتبر قصة نجاح لتوجيه مياه الفيضانات وحتى المياه المعالجة نحو دعم المخزون الجوفي.
الأردن يحتاج إلى إدارة مهنية وفنية واستراتيجية شاملة تتضمن تحسين البنية التحتية، وبحاجة لخبراء وطنيين عندهم الخبرة لإعادة تهيئة البنية التحتية في الشوارع ومصارف المياه لمواجهة الفيضانات، وتكثيف برامج حصاد مياه الأمطار والتوعية لضمان الاستدامة، مع الاعتماد المتزايد على تحلية المياه كحل استراتيجي طويل الأمد لتأمين مياه الشرب، وأهمية تطبيق الإدارة المستدامة للموارد المائية لضمان توفر مياه الشرب على المدى الطويل.
أن الاختبار الحقيقي ليس في إعلان الخطط، بل في “مؤشرات تنفيذ” واضحة تُقاس سنويًا؛ مثل خفض الفاقد، زيادة التخزين الجوفي المُدار، وتوسيع إعادة الاستخدام المياه المستصلحة، وتسريع مراحل المشاريع الكبرى. الاستقرار الطويل يحتاج مصدرًا كبيرًا مثل مشروع التحلية البحر الاحمر ولا يعتمد على مزاج الموسم. هذه المشاريع لا تُغني عن إدارة الطلب والفاقد، لكنها تُنهي منطق “الترقيع” عندما تتراجع الأمطار.
الأردن يملك هذا الشتاء نافذة نادرة، موسم مطري أفضل من السابق، وسدود تتحسن، ومؤشرات مطر متقدمة. لكن تثبيت هذا التحسن يتطلب أن يتحول المطر من “حدث موسمي” إلى “مشروع إدارة”: حصاد مائي وتغذية جوفية، وتقليل فاقد، وإعادة استخدام المياه المستصلحة، ومصدر تحلية كبير—حينها فقط يصبح الانتقال من الحلول المؤقتة إلى استقرار أطول أمدًا ممكنًا.