د. منى هندية
متخصصة في قضايا المياه والبيئة
عضو المجلس العلمي الإستشاري بالشبكة
على أطراف المدن والطرق النافذة، وفي بعض الأودية والمناطق الحرجية، تتحوّل النفايات من “مشكلة خدمية” إلى ملف بيئي وصحي يتقاطع مباشرة مع المياه والتربة والهواء. ومن أبرز التحديات التي تواجه الأردن ظاهرة الإلقاء العشوائي في شوارع المدن والقرى والطرق والمتنزهات والغابات والأماكن المفتوحة. تعتبر ظاهرة الرمي العشوائي للنفايات كارثة وطنية، حيث تنتشر النفايات المختلفة مثل العلب المعدنية والأكياس البلاستيكية وأعقاب السجائر والمحارم وأغلفة الطعام والإطارات القديمة على جوانب الطرق. إن الطبيعة المؤسسية للبلديات، وانعدام البنية التحتية لإدارة النفايات، وزيادة معدل الفقر، وتدفق اللاجئين، والأهم من ذلك، التغيرات السلوكية لدى المواطنين بسبب قلة الوعي، أسباب أسهمت جميعها في تفاقم مشكلة رمي النفايات.
وبينما تشير وثائق رسمية إلى أن كمية النفايات البلدية الصلبة في الأردن بلغت حوالي أربعة ملايين طن في عام 2024، بمعدل يومي يصل إلى نحو 11 ألف طن، ومتوسط نصيب الفرد منها حوالي 0.87 كيلوغرام يوميا. وتبلغ التكلفة السنوية الإجمالية لجمع ونقل ومعالجة النفايات في المملكة نحو 233 مليون دينار، بمعدل تكلفة مباشر للطن الواحد حوالي 60 دينارا. وعدد مكبات النفايات الصلبة في الأردن 20 مكب تقريبا، معظمها غير مصمم بطريقة هندسية. أن مكب النفايات الصلبة الغباوي يُعد المكب الوحيد الذي يطابق أفضل الممارسات الدولية وفق معايير الموقع والدراسات والأثر البيئي والتصميم؛ ويشمل أيضا تغطية خلية وربطها بنظام استثمار غاز المكب، لتوليد الكهرباء وأيضا تطبيق نظام إدارة العصارة، مع تقدير خفض انبعاثات بنحو150 ألف طن ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
يُنظر لأساليب التخلص غير الصحيحة من النفايات بأنها تهديداً خطيراً على البيئة، فنتيجة هذه الأساليب تتأثر عناصر البيئية المختلفة كالتربة، والهواء، والماء، وغيرها؛ مما يؤثّر بشكل كبير على التنوّع البيولوجي فعلى سبيل المثال تتسبب النفايات البلاستيكيّة خفيفة الوزن وغير قابلة للتحلل بالقضاء على كثير من الحيوانات البريّة والأليفة بالاختناق نتيجة تناولها بالخطأ. ويساهم طرح النفايات في غير أماكنها بالقضاء على النباتات الموجودة في البيئة، والتسبب بانتشار الحشرات الضارة كالذباب، والفئران، والتي تنتشر لمسافات واسعة.
عندما تختلط النفايات العضوية والسائلة والمواد الخطرة داخل المكبات، تتكون “العصارة” التي قد تتسرب إلى التربة ثم إلى المياه الجوفية؛ مما يهدد صحة الإنسان والحيوان والنبات، وقد يصل إلى المصادر المائية السطحية والجوفية بما يعرض الحياة المائية للخطر. هنالك دراسات علمية منشورة حول مكب الأكيدر (شمال الأردن) اكدت أثر العصارة على جودة المياه الجوفية في المنطقة بشكل سلبي. وأن عدم وجود نهج منظم لإدارة النفايات، يؤدي حتى إلى انتقال نفايات (ومنها خطرة) إلى مكبات النفايات، ولهذا بحاجة ماسة لتعاون وزارات متعددة وتطوير نظم فرز وتدوير.
تتقدم الحكومة في مسار تشريعي وتنفيذي جديد للحد من الإلقاء العشوائي وتحسين الإدارة، وسط تحديات تمويل وبنية تحتية وسلوك مجتمعي. قانون إدارة النفايات الإطاري (2020) يفرض غرامات تبدأ من50 ديناراً وقد تصل إلى 1000دينار، مع الحبس في بعض الحالات، خصوصاً عند الإلقاء في المحميات والمتنزهات الوطنية، وتشديد العقوبة عند التكرار. وهذا يمثل انتقالاً نحو إدارة تقوم على “المسؤولية القانونية والرقابة الفعالة”، مع حاجة مستمرة لتوحيد التكييف القانوني وتفعيل العقوبات البديلة وربط القانون بالوعي المجتمعي وعقوبات بديلة (خدمة مجتمعية/إلزام تنظيف) وتعزيز الردع لتغيير السلوك بسرعة. القانون موجود و”واضح”، لكن الاستراتيجيات تتحول كثيراً إلى “حملات موسمية” إذا لم تُسند بتمويل ثابت، ورقابة يومية، وبيانات دقيقة، وبنية تحتية من فرز وتدوير تجعل الالتزام أسهل من المخالفة.
ولهذا يجب تطبيق “الهرمية” في إدارة النفايات (منع/تقليل؛ إعادة استخدام؛ تدوير؛ استرجاع طاقة؛ طمر). ونؤكد على أهمية مفهوم الفرز من المصدر كفصل المواد القابلة لإعادة التدوير في مكان تولدها ووضعها في حاويات منفصلة بهدف إعادة التدوير وتقليل الضغط على مكبات النفايات الصلبة. أن غياب منظومات الفرز من المصدر يجعل مجرى النفايات المختلطة يحتوي أحياناً على مواد خطرة، ومع اختلاطها تصبح فرص “التقاط القيمة” عبر إعادة الاستخدام أو التدوير أقل، مع ارتفاع انبعاثات الميثان من المكون العضوي. وضمن أدوات “تقليل النفايات من المنبع”، يجب الزامية تنفيذ تعليمات مسؤولية المنتج الممتدة لنفايات مواد التعبئة والتغليف وربطها بمؤشرات أداء.
تعتبر المشاركة الشعبية حجر الأساس لحماية الطبيعة. لذلك، فإنه ينبغي على وزارة البيئة بذل الجهد لدعم مشاركة المواطنين والباحثين والبلديات وقطاع الصناعة وغيرها من القطاعات، وذلك لإعطاء حلول عملية للسيطرة على مشكلة الرمي العشوائي للنفايات. أيضا بحاجة الى تكثيف الجهود التطوعية من قبل الأفراد ومنظمات المجتمع المدني لتنظيم حملات تثقيف المجتمع والتشجيع على تغيير السلوكيات السلبية.
اقتصاديًا، يُنظر الى جامعي النفايات الصلبة غير الرسميين كمزوّدي خدمة غير معترف بها رسميًا؛ فهم يرفعون “كمية ونوعية” المواد القابلة للتدوير المتدفقة إلى سلاسل القيمة، ويخففون ما يدخل إلى المكبّات. كل طن يُستردّ ويُعاد تدويره هو طن أقل في النقل والطمر وإدارة المكبّات. ومع كون كلفة إدارة النفايات تستنزف حصصًا كبيرة من موازنات البلديات، فإن أي زيادة في الفرز والاسترداد تعني ضغطًا أقل على المكبات وميزانيات التشغيل.
الأردن أمام معادلة صعبة، بطالة شبابية مرتفعة جدًا، وكلفة إدارة نفايات تبتلع جزءًا ملموسًا من موازنات البلديات. دمج جامعي النفايات غير الرسميين—بترخيص، وتدريب، وتعاقدات واضحة يمكن أن يصبح أداة تشغيل سريعة للشباب ورافعة لتقليل ما يصل للمكبّات النفايات وتحسين الكفاءة المالية. التجارب المحلية الناشئة في (عمان وأربد) توحي بأن تحويل “النبّاش جامعي النفايات الصلبة” إلى “عامل تدوير” هو خيار استراتيجي يمكن هندسته بعقلية عمل لائق واقتصاد دائري.