النيران التي تسبقها الإنذارات: قراءة في حرائق يوليو 2026


الخميس 23 يوليو 2026

النيران التي تسبقها الإنذارات: قراءة في حرائق يوليو 2026

أحمد ردمان الشميري
صحفي يمني
رئيس الشبكة العربية للصحافة العلمية

 

دخان على مرمى البصر

عائلات تُخلي بيوتها في عنابة وقالمة، ومتطوعون يقاتلون النيران في جبال بنزرت، وطائرات إطفاء تُحلّق فوق غابات تلتهمها النيران أسرع مما يمكن للفرق الأرضية ملاحقته ، وهناك من يصارع الدخان والرماد لنقل الصورة. المشهد يتكرر كل صيف في دول المغرب العربي، لكن هذا العام يفرض سؤالاً أكثر إلحاحاً.. هل نحن أمام موسم استثنائي، أم أمام واقع مناخي جديد يستدعي سياسات مختلفة؟

 

ما الذي يحدث فعلاً ؟!

الأرقام حتى 23 يوليو 2026 مقلقة جداً ، فقد أعلنت السلطات الجزائرية سقوط ستة قتلى جراء الحرائق التي اجتاحت عدة ولايات شرقية خلال الأيام الأخيرة، ونقل أكثر من مئة مصاب إلى المستشفيات في عنابة وحدها، حيث تضرر نحو 150 منزلاً وأُجلي سكانها. وفتح وزير الداخلية سعيد سعيود تحقيقاً رسمياً في أسباب اندلاع بعض الحرائق، بعد توقيف أربعة أشخاص اشتبه في ضلوعهم فيها، من دون أن يعني ذلك تأكيد نيّة إجرامية شاملة وراء الموجة كلها.
وسجّلت الحماية المدنية 138 حريقاً خلال 24 ساعة، أُخمد منها 107 فيما تواصلت جهود إخماد 31 بؤرة صباح 23 يوليو، موزعة على بجاية والبويرة وتلمسان وتيزي وزو وجيجل وسكيكدة وعنابة والمدية ومعسكر والطارف وسوق أهراس. ومنذ بداية مايو الماضي تجاوز إجمالي الحرائق في الجزائر 3700 حريق، أي ضعف ما سُجّل في الفترة ذاتها من 2025 تقريباً.
في تونس ايضاً اندلعت سلسلة حرائق متلاحقة في الغابات الجبلية شمالاً وشمال غرباً، تزامناً مع موجة حر لامست 50 درجة مئوية ورياح "الشهيلي" الجافة. سجّلت الحماية المدنية نحو 600 حريق خلال 48 ساعة فقط، أي بمعدل حريق كل خمس دقائق تقريباً، ضمن نحو 2800 تدخل إجمالي. وتجاوزت المساحة الغابوية المتضررة 238 هكتاراً حتى 22 يوليو، مع ترجيح ارتفاع الحصيلة لعدم إعلان مساحة حريق غار الملح وبؤر أخرى بعد. ولم تُسجَّل حتى صباح 22 يوليو وفيات أو إصابات بشرية مؤكدة، رغم اقتراب النيران من منازل ومنشآت سياحية وانقطاع الكهرباء في مناطق متفرقة.
هذه أرقام متغيرة حتى لحظة كتابة هذا النص وما يزال المشهد مستمر.

 

الحريق لا يبدأ بالمناخ وحده

من المهم التمييز بين ثلاثة أمور: سبب الاشتعال، وظروف الانتشار، ودور المناخ في تهيئة تلك الظروف. الشرارة الأولى غالباً ما تكون بشرية ربما إهمال، حرق زراعي، عقب سيجارة، وأحياناً فعل متعمد لم يثبت بعد في معظم الحالات. أما ضعف تنظيف الغابات من الأعشاب الجافة، ونقص مسالك الوصول، والتوسع العمراني قرب الغابات، فعوامل إدارية تراكمية تسبق الموسم بأشهر، ولا علاقة مباشرة لها بالمناخ.

 

المناخ يهيّئ مسرح النيران

بعد الاشتعال، يدخل عامل حاسم: حالة الغطاء النباتي المحيط وموجات الحر وتراجع رطوبة التربة والنباتات والرياح الجافة تجعل الوقود النباتي أسرع اشتعالاً وأصعب احتواءً. هذا ما تصفه الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ حين تشير إلى أن حوض المتوسط من أبرز بؤر المخاطر المناخية عالمياً، وأن الاحترار فيه تجاوز المتوسط العالمي منذ ثمانينيات القرن الماضي، مع ازدياد شدة موجات الحر وعددها.

ويمكن الاختصار والقول بأن تغير المناخ لا يُشعل حريقاً بعينه ، لكنه يزيد احتمال توافر طقس ملائم للحرائق ، ويطيل موسمها ، ويصعّب السيطرة عليها.

الخسائر لا تتوقف عند فقدان الأشجار بل تتراجع خصوبة التربة وقدرتها على امتصاص المياه ، وتتأثر مصادر المياه القريبة، وتزداد مخاطر الأمراض التنفسية جراء الدخان. إزاء ذلك يخسر مزارعون محاصيل وأشجار استغرقت عقوداً، ويتراجع مخزون الكربون الذي كانت الغابة تختزنه، فيما تحتاج النظم البيئية المتضررة سنوات طويلة لتستعيد بعض توازنها.

 

من الإطفاء إلى إدارة الخطر

توضح الدكتورة منال سخري، الخبيرة في السياسات البيئية والتنمية المستدامة، في مقابلة سابقة بعنوان "من كارثة موسمية إلى أزمة أمنية" أن حرائق الغابات تحوّلت من حدث موسمي عابر إلى أزمة أمنية بيئية، لا يجوز التعامل معها كواقعة طارئة تُدار لحظة ظهور اللهب فقط. وتشير إلى أن اختزال الحرائق في ارتفاع الحرارة وحده تفسير منقوص، إذ يتقاطع المناخ مع الجفاف والغطاء النباتي والرياح والعامل البشري معاً. كما تُبرز أن خسائر الحرائق خفية إلى حد كبير، وتمتد إلى التربة والمياه والاقتصاد المحلي والصحة العامة. وتدعو إلى الانتقال من سياسة إطفاء الحرائق إلى سياسة إدارة مخاطرها، عبر الوقاية وإدارة الغابات والإنذار المبكر، قبل بدء الموسم بوقت كافٍ.

هذا ما تحتاجه الجزائر وتونس اليوم: خرائط مخاطر مبنية على بيانات الأقمار الصناعية، وتنظيف دوري للوقود النباتي، وإشراك السكان المحليين في المراقبة المبكرة، وحماية التجمعات القريبة من الغابات، وتعاون مغاربي عابر للحدود، وإتاحة البيانات للصحفيين والباحثين.

 

ختاما ..

على الصحافة العلمية أن تتجاوز صور اللهب وعدد الطائرات إلى تفسير العوامل المناخية والبيئية، والتحقق من الأرقام قبل نشرها ، ومتابعة الخسائر بعد إخماد النيران لا عند اندلاعها فقط، ومساءلة سياسات الوقاية والاستعداد، وتقديم إرشادات صحية عملية للمناطق المتأثرة بالدخان، من دون توزيع اتهامات غير موثقة حول الحرائق المتعمدة.

إن نجاح أي دولة في مواجهة حرائق الغابات لا يُقاس بعدد الحرائق التي أُخمدت، بل بعدد الحرائق التي مُنعت من الأساس، وحجم المجتمعات التي أصبحت أكثر استعداداً، ومساحة الغابات التي حُميت قبل أن تصلها ألسنة اللهب. هذا هو الفارق بين إدارة كارثة وإدارة خطر، وهو ما سيحدد مكان الجزائر وتونس، والمنطقة المغاربية بأسرها، فيه خلال المواسم المقبلة.



المصادر

1. الشرق الأوسط، «الجزائر تُسيطر على ألسنة النيران وتعلن ملاحقة شبهة الفعل الإجرامي»، 22 يوليو 2026

2. صحيفة الخليج (نقلاً عن أ.ف.ب)، «100 مصاب و150 منزلاً مدمراً.. حصيلة حرائق الجزائر الحرجية»، 22 يوليو 2026

3. الجزائر اليوم، «الحماية المدنية تسجل 138 حريقاً خلال 24 ساعة»، 23 يوليو 2026

4. الصحيفة (المغرب)، «حرائق تونس تلتهم أكثر من 238 هكتاراً من الغابات خلال موجة حر قاسية»، 22 يوليو 2026

5. مقابلة الدكتورة منال سخري، «من كارثة موسمية إلى أزمة أمنية.. القصة الكاملة»، يوتيوب —

">
🎬 فيديو يوتيوب مشاهدة على يوتيوب